سيدنا معاوية رضي الله عنه وأرضاه. تجميعة مقالات حسن البخاري

[١]
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد؛
فلمّا شرّف الله تعالى الفقير بأن جعله من ذريّة سيّد الخلق صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وخلقَه من نطفة أسد الله الغالب عليّ بن أبي طالب عليه السلام، اشرأبت أعناق كثيرٍ من المحسني الظنّ لاستكناه رأيه في عددٍ من المسائل، من أبرزها وأعقدها تفصيل موقفي من سيدنا معاوية رضي الله عنه وأرضاه.
وقد رأيت غير واحدٍ يتعجّب من ترضيّ عنه، مع موالاتي لجدّي سيدنا عليّ عليه السلام موالاة تامّة مطلقةً لا شرط فيها ولا قيد، ونشري لفضائله ومحاسنه هو وأجدادي من آل البيت عليهم السلام حتى اتهمت من أجل ذلك بالتشيّع ونحوه من باطل التهم وسخيف البهتان!
ولمّا كثر في هذه الأيام التعرّض لهذا الصّحابي الجليل بالطعن من بعض الجهلة الأغمار، المخدوعين الأغرار، مع ما بلغني عن اقتراب عرض مسلسل عن معاوية رضي الله عنه؛ رأيت أن أكتب عددًا من المقالات أنبّه فيها إخواني من أهل السنة والجماعة على الموقف الحقّ من معاوية رضي الله عنه، موقف أئمة أهل السنة والجماعة من العلماء والأولياء قرنًا بعد قرن، ليكون هاديًا عاصمًا إن شاء الله لكثير من الأحباب والأصحاب.
وبين يدي ذلك أنبه على أمور ينبغي أن تقرأ تلك المقالات في ضوئها، وإلا فهمت على غير وجهها، منها:
١- أن هذه المقالات موجهة لإخواني من أهل السنة والجماعة، ممن يعظّم العشرة المبشرين بالجنة وأمهات المؤمنين، أما الشيعة الذين لا يرفعون بذلك رأسًا فليس هذا الكلام لهم، بل لهم نقاشٌ غير هذا النقاش واحتجاجٌ غير هذا الاحتجاج، في مناسبة أخرى إن شاء الله.
٢- أن الله لم يخلق بعد سيدنا محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم والأنبياء أحدًا أحبّ إليّ من أهل الكساء، فاطمة وعلي والحسن والحسين عليهم جميعا وعلى سيدهم الصلاة والسلام، لا ينازعهم في تلك المحبة ملك ولا إنسٌ ولا جان.
ذلك في المحبّة، أما في التفضيل فمذهب أهل السنة والجماعة تفضيل سيّدنا أبي بكر الصديق رضي الله عنه، ثم سيدنا عمر الفاروق رضي الله عنه، ثم سيدنا عثمان ذي النورين رضي الله عنه، ثم تفضيل سيدنا علي عليه السلام وكرم الله وجهه.
٣- أن سيدنا عليا عليه السلام عندي هو الحق، لا أقول هو المصيب، بل هو آية الصواب وعلامته ودليله وحجّته، يدور معه الحقّ والصواب حيث دار.
٤- أنني لو كنت في عصر جدي سيدنا علي عليه السلام لكنت في عسكره وخدمه، لو شرّفني بحمل نعله لحملته، ولو قال لي ارفع السيف لرفعته.
لكن الكلام عن موقفنا بعدما وضعت الحرب أوزارها، وانتقل كلٌّ إلى دار الحقّ.
فكن من هذا على ذُكرٍ لئلا يختلط عليك كلامي، أو يخلطه عليك مخلط، أو يوسوس فيه إليك موسوس.
والله المستعان، هو حسبنا ونعم الوكيل، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله الأطهار وصحابته الأخيار وسلم تسليمًا كثيرًا.
يُتبَع..

[٢]
حال سيدنا معاوية رضي الله عنه من بعد إسلامه إلى قبل نزاعه مع سيدنا عليّ كرّم الله وجهه:
——————-
اعلم أن جِماعَ داءِ السنّيِّ الذي يقع في سيدنا معاوية رضي الله عنه: أنه يأخذ نتيجة مذهب الشيعة، التي لا تستقيم إلا على مقدمات معتقد الشيعة، فيعتنقها ويضمّها قسرًا إلى مقدّمات مذهبه السنيّ، ليكون بذلك مسخًا متناقضًا لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء.
وبيانُ ذلك أن الشيعة يعتقدون أن عامة الصحابة وعلى رأسهم سيدنا أبو بكرٍ وعمر وعثمان والمبشرون وأم المؤمنين عائشة وأم المؤمنين حفصة = من المنافقين والكفار عياذًا بالله!
وهذا المذهب لو لم يكن فيه إلا أن لازمه: خضوع أسد الله الغالب عليّ بن أبي طالب كرم الله وجهه للكفار واستكانته لهم وسكوته عن اغتصابهم الإمامة، فرجع حيدرة القهقرى بعدما رفع عليهم مع سيده وابن عمه صلى الله عليه وسلم حدّ المشرفيّ المهنّد فمزّق دعارة الشرك ونكّس رايات الكفر؛ لكفى بذلك اللازم بيانًا عن بطلان هذا المذهب وقطعًا بضلال القائلين به وإظهارًا لقبح معتقدهم!
أما أنت أيها السنّي الطاعن في معاوية -وخطابي في هذه المقالات لك- فتعظّم أبا بكر وعمر وعثمان وأمهات المؤمنين، وتعتقدهم جميعا من سادات أهل الجنة ومن أكابر الخلق، بنصوص الوحي الشريف المتواترة.
ويظهر أثر ذلك الاختلاف بينك وبين الشيعة في المقدمات في أمورٍ كثيرة، منها اعتقادك في حال معاوية رضي الله عنه قبل نزاعه مع سيدنا علي عليه السلام.
فالشيعي يراه: منافقًا كافرًا على طول الخطّ.
فإن سألته: وكيف ولّاه عمر بن الخطاب رضي الله عنه ولاية الشام مع كونه منافقًا كافرًا؟ قال لك: لأنه مثله.
فإن قلت: وكيف أقره عثمان رضي الله عنه على تلك الولاية؟ قال لك: لأنه مثلهما!
عياذًا بالله!
فترى كلامه الفاسد في معاوية مطّردًا مع مقدماته الفاسدة.
أما أنت أيها السنّي فلا يساورك شكٌّ ولا يخالجك ريبٌ في أن سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان من أخوف الناس وأتقاهم لله تعالى، وأحرصهم على استقصاء أحوال ولاته ورعيّته، حتى أنه يخاف لو عثرت ناقةٌ في الفيافي والقفار أن يسأل عنها عمر في المدينة!
وكان من أثر ذلك أنه عزل سيدنا سعد بن أبي وقّاص، مع كونه من المبشرين بالجنة، مراعاة لأدنى شبهة، مع ثقته به ثقة تامة حتى قال: "إني لم أعزله عن عجز ولا خيانة"
وعزله خالد بن الوليد عن إمارة الجيش لنحو ذلك.
وعمر هو الذي نهى واليًا من ولاته عن جعل كاتبه كافرًا!
فهل يولّي سيدنا عمرُ معاوية على الشام سنين عددًا، مع نفاقه وكفره؟
ولم يكن عمر رضي الله عنه بالغرّ الذي يُخدع سنين في مثل هذا المنصب الحساس، فإنهم لما حاربوا المرتدين وأعادوهم إلى الإسلام منعوهم ركوب الخيل وحمل السلاح حتى يطمئنوا لصحة توبتهم ومتانة إسلامهم.
فهل يولي على الشام من لم يقطع بصلاحه؟!
فإن ولاه مع نفاقه وكفره، فهل يترك الصحابة عمرَ رضي الله عنه على ذلك؟
بل هذه شهادة قاطعة من عمر بن الخطاب رضي الله عنه بعدالة معاوية رضي الله عنه، مع إقرار الصحابة هذه الشهادة، والزمان زمان نور النبوة والصدع بالحق، لا يتردد صحابي حينها أن يقف وينكر على سيدنا عمر توليته للمنافقين، وقد صحّ أن المرأة كانت تنكر على سيدنا عمر رضي الله عنه على رؤوس الناس لا يمسّها مكروه.
ثم أقره سيدنا عثمان على تلك الولاية، فكانت شهادة له بعد شهادة، وهذا يقطع للسنيّ أن حال معاوية رضي الله عنه حينها كان حال إيمانٍ وصلاحٍ وصدق، لا كما يصوّره له الشيعة ويخدعونه، وإلا فالطعن في دين معاوية في هذا الوقت طعنٌ في من ولّاه ومن أقره وهم الصحابة أجمعون.
فحال معاوية رضي الله عنه بعد إسلامه بشهادة الصحابة أجمعين، أنه ممن قال الله تعالى فيهم:
"لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا، وكلا وعد اللّه الحسنى واللّه بما تعملون خبير"
فهو من الذين أنفقوا من بعد الفتح وقاتلوا، وهو على درجة عظيمة، لأن "أعظم" تفيد الاشتراك في أصل المعنى، وهو موعود من الله تعالى بالحسنى.
ولا ينبغي أن ينازع سنّيٌ في كونه كذلك إلى قبل خلافه مع سيدنا عليّ رضي الله عنه، وهو محلّ بحثنا في هذا المقال.
هذا في الدين، أما في العلم:
فحسبك ما قيل لابن عباس رضي الله عنهما فيه:
هل لك في أمير المؤمنين معاوية؛ فإنه ما أوتر إلا بواحدةٍ؟! فقال: "إنه فقيهٌ".
والفقيه في عصرهم هو المجتهد المطلق، لا يعرفون له اصطلاحًا غير هذا.
وابن عباس رضي الله عنهما من أنصار سيدنا عليّ كرم الله وجهه، وكان معه في الحرب على معاوية رضي الله عنه، فإن كان كلامه بعد الحرب فذاك، وإن كان قبلها فإن ملكة العلم لا تنتزع بالحرب والخلاف، فهو على ما كان، بشهادة ترجمان القرآن له من كونه فقيهًا مجتهدًا.
وقد روى عنه ابن عبّاس وابن الزبير وجرير بن عبد الله والنعمان بن بشير.
فهذا دينه بشهادة عمر والصحابة، وهذا علمه بشهادة ترجمان القرآن، رضي الله عن الجميع.
فننتقل إلى المقال التالي مستصحبين أننا نتكلم عن صحابيٍّ أسلم وحسُن إسلامه، وكان عالمًا مجتهدًا رضي الله عنه وأرضاه.
يُتبَع..

[٣]
لماذا قاتل سيّدنا معاوية رضي الله عنه سيّدنا عليًا عليه السلام وكرّم الله وجهه؟
—————-
قد أثبتنا في المقال السابق لك أيها السنيُّ أن معاوية رضي الله عنه صحابي جليل حسُنَ إسلامه بشهادة الصحابة كافة، وأنه عالمٌ فقيه مجتهد بشهادة ترجمان القرآن ابن عباس رضي الله عنهما، نصيرُ سيدنا عليّ عليه السلام في حربه ضد معاوية، وابن عمه.
ونتكلم هنا عن سبب خلافه مع سيدنا عليٍّ رضي الله عنه والذي أدّى به لقتاله..
والذي لا شكّ فيه: أن هذا القتال كان خطأً من معاوية رضي الله عنه، وكان خيرًا للأمة لو بايع أميرَ المؤمنين سيدنا عليا كرم الله وجهه وأطاعه، فهو أعلم منه وأفضل منه، لكن قدر الله وما شاء الله.
غير أننا نبحث في هذا المقال عن ما وراء هذا الخطأ، وعن دافعه وسببه، لنحسن توصيفه ثم نحسن التعامل مع المخطئ..
أما الشيعة فيرون أن سببه: أن معاوية رضي الله عنه يعادي آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم من حيث هم آل بيته، لأنه يضمر عداء النبي صلى الله عليه وسلم والإسلام، فلم يدخل الإسلام قطّ وإنما كان حاله حال أُبَي ابن سلول ونحوه.
ولا يعكّرُ عليهم في ذلك قولك: فكيف زكّاه عمر والصحابة؟! لأنهم يكفرونهم جميعًا عن بكرة أبيهم إلا ما تعده على أصابعك!
وهذا الضلال إن استقام مع بعض أصولهم الفاسدة، فإنه لا يمكن أن يستقيم مع أصولك السنية القطعية، من أنه أسلم وحَسُنَ إسلامه بشهادة الصحابة أجمعين.
فليس في صدره حقدٌ ولا حنقٌ على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، ولا في صدره حقدٌ ولا حنقٌ على سيدنا عليّ كرّم الله وجهه من حيث أنه قريب سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ومن آل بيته.
والدليل على أنه لم يحارب سيدنا عليًا عليه السلام من حيث أن سيدنا علي من آل البيت وإحياءً لنعراتٍ قبلية جاهلية ونحو ذلك:
أن من حارب واحدًا من آل البيت لا لشيء إلا لأنه قريب النبي صلى الله عليه وسلم = فهو كافرٌ بغير ريب، لا يتردد في ذلك سنيٌّ ولا شيعي.
فإن كانت هذه علة حرب معاوية رضي الله عنه كان -وحاشاه- كافرًا.
بينما نجد النبي صلى الله عليه وسلم قد شهد له ومن معه بالإسلام بعد هذه الحروب، لما قال عن سيدنا الحسن عليه السلام: "إن ابني هذا سيد وسيصلح الله به بين طائفتين من المسلمين"
ففيه دليل على أن معاوية رضي الله عنه لم يحارب سيدنا عليًا عليه السلام لأنه من آل البيت، وإلا لما أثبت له النبي صلى الله عليه وسلم الإسلام.
زد على ذلك أنه لو كان كافرًا لأنه حارب سيدنا عليا من حيث كونه من آل البيت؛ لكان الذي سلّمه رقبة المسلمين فاصطلح معه وتنازل له عن الخلافة؛ مرتكبًا لكبيرة من أكبر الكبائر!
فكيف تعطي رقاب المسلمين لكافر مرتدّ؟! وأنت معك الجيش والعدة والعتاد!
بل الواجب مقاتلته ومقارعته ولو أزهقت في ذلك أرواح كثير من المسلمين!
وحاشا سيدنا الحسن عليه السلام أن يكون قد فعل ذلك، بل تنازل عن الخلافة لمسلم، وإلا لما مدح فعلَه سيد الخلق صلى الله عليه وسلم!
فتنازله له دليلٌ على أنه لم يكن يحارب سيدنا عليًا عليه السلام لأنه من آل البيت، وإلا لما جاز التنازل له!
———
فلماذا حاربه إذًا؟!
يلخصه لك ما حكاه الذهبي رحمه الله بإسناده قال:
"جاء أبو مسلم الخولاني وأناس إلى معاوية، وقالوا: أنت تنازع عليا أم أنت مثله؟ فقال: لا والله، إني لأعلم أنه أفضل مني وأحق بالأمر مني، ولكن ألستم تعلمون أن عثمان قتل مظلوما، وأنا ابن عمه والطالب بدمه، فائتوه فقولوا له، فليدفع إلي قتلة عثمان، وأسلم له.
فأتوا عليا، فكلموه، فلم يدفعهم إليه."
وقصة ذلك: أن سيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه، ثار عليه همجٌ رعاعٌ حاصروا داره، فلما أراد الصحابة رضوان الله عليهم قتالهم نهاهم سيدنا عثمان رضي الله عنه، وقال: "أعْزِمُ على من كانت لي عليه طاعةٌ أنْ لَا يقاتل."
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قال له:
"يا عثمان إنَّ اللَّه عز وجل عسى أن يُلبِسَك قميصاً، فإن أرادَك المنافقون على خلعِه فلا تخلعْه حتَّى تلقاني، يا عثمان إنَّ اللَّه عسى أن يُلبسَكَ قميصاً فإن أرادَك المنافقون على خلعِهِ فلا تخلعْه حتَّى تلقاني، ثلاثًا"
ثم إن سيدنا عليًا عليه السلام ألبس ولديه الحسنين عليهما السلام ملابس الحرب وأمرهما بالوقوف على باب عثمان رضي الله عنه لحراسته، فتسلل بعض الأوباش عليهم لعنة الله وتسوروا الدار من الخلف فقتلوا صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وزوج ابنتيه الذي كانت تستحيي منه الملائكة، قتلوه والمصحف في يده!
وكان موقف سيدنا علي عليه السلام لما بلغه قتل سيدنا عثمان رضي الله عنه أنه قال:
"تبا لهم آخر الدهر."
وعن ابن أبي ليلى قال: سمعت عليا وهو بباب المسجد أو عند أحجار الزيت رافعا صوته يقول: "اللهم إني أبرأ إليك من دم عثمان."
وعن قتادة، عن الحسن قال: قتل عثمان وعلي غائب في أرض له، فلما بلغه قال: "اللهم إني لم أرض ولم أمالئ."
وعن ابن عباس قال: قال علي يوم قتل عثمان: "والله ما قتلت ولا أمرت ولكني غلبت."
وعن أبي العالية: أن عليا دخل على عثمان فوقع عليه وجعل يبكي حتى ظنوا أنه سيلحق به.
فهذا موقف سيدنا عليّ كرم الله وجهه من قتل عثمان!
ثمّ بايعه الناس بالخلافة، فرأى أن قتلة عثمان رضي الله عنه من قبائل عديدة بعضهم ذو منعة، ورأى الأمة في شتات، والناس في تخبط وتيه، فكان رأيه أن ينتظر حتى يستتب الأمرُ له ثم يعاقب قتلة عثمان رضي الله عنه.
أما معاوية رضي الله عنه فكان في الشام، وصله قميص عثمان رضي الله عنه وعليه دمه، فصعد به المنبر وأراه أهل الشام حتى استثار عواطفهم، وهيّج مشاعرهم. فأرسل يطالب سيدنا عليًا عليه السلام بتسليمه قتلة عثمان لأنه ولي دمه فهو ابن عمه!
فطلب منه سيدنا علي عليه السلام أن يبايعه، وينتظر إلى أن يستتب له الأمر، فيعاقبهم.
فأبى معاوية رضي الله عنه وأراد أن يسلمه إياهم على الفور، ورفض هو وأهل الشام مبايعته بالخلافة حتى يسلمهم إياهم.
وهنا كان النزاع:
هل نعاقب قتلة عثمان رضي الله عنه على الفور ولو زاد ذلك التفرق والفتن والشتات؟
أو ننتظر حتى يستتب الأمر فنعاقبهم ليكون ذلك أدرأ للفتن؟!
فهذا سبب الخلاف الذي أدى بعد ذلك للاقتتال والاحتراب، لأن سيدنا عليا عليه السلام اجتهد فرأى قتال جيش سيدنا معاوية، وسيدنا معاوية اجتهد فرأى قتال جيش سيدنا علي.
والذي لا أشك فيه طرفة عينٍ أن الحق هو سيدنا علي كرّم الله وجهه، والصواب ما رآه.
وأن سيدنا معاوية رضي الله عنه كان مخطئًا في اجتهاده، وليته أطاع أمير المؤمنين عليه السلام ليقي الأمة فتنًا كقطع الليل المظلم، ولكن أمر الله كان قدرًا مقدورًا.
فلم يقاتل سيدنا معاوية سيدنا عليًا لأنه من آل البيت، ولا لأن معاوية كان يبطن الكفر وينتظر لحظة هدم الإسلام وغير ذلك من الترهات.
بل معاوية هو الصحابي الجليل الذي زكّاه عمر فولّاه رقاب المسلمين سنين عددًا، والصحابة شاهدون حاضرون مقرون، ثم استمر عثمان على توليته تلك الولاية، وهو الفقيه المجتهد الذي شهد له ترجمان القرآن ابن عباس بذلك، اجتهد في ما ينبغي فعله مع قتلة عثمان، فأخطأ وجانبه الصواب، واجتهد في قتال سيدنا علي عليه السلام كما اجتهد سيدنا علي في قتاله، فأصاب سيدنا علي وأخطأ سيدنا معاوية.
وليس في الوحي نصٌّ على طريقة التعامل مع قتلة عثمان، فاجتهد كلٌّ فيها وأصاب بعضهم وأخطأ بعضهم.
فإذا عرفنا أن سبب القتال لم يكن لكون سيدنا علي عليه السلام من آل البيت، ولا أنها كانت حربًا شعواء شنّها سيدنا معاوية على آل البيت يريد وأد الإسلام وإحياء الجاهلية والكفر، بل كان السبب خلافًا سياسيًا في الطريقة الأنسب للتعامل مع قتلة الخليفة الثالث رضوان الله عليه، وصل الخلاف بالطرفين أن أداهما اجتهادهما لقتال بعضهما.
فما حكم مَن اجتهد في هذه المسألة، ووصل به اجتهاده إلى قتال سيدنا علي كرم الله وجهه؟!
هل يكون كافرًا؟ أو منافقًا؟ فاسقًا؟
أم يحتمل أنه مجتهد مخطئ؟
هذا ما سنجيب عنه في المقال القادم إن شاء الله.
يُتبَع ..

[٤]
ما حكم من أداه اجتهاده لقتال سيّدنا عليّ كرّم الله وجهه؟!
—————
انتهينا في المقالات السابقة إلى أن معاوية رضي الله عنه أسلم وحَسُنَ إسلامه بشهادة الصحابة، وكان عالمًا فقيهًا مجتهدًا بشهادة ترجمان القرآن ابن عباس.
وإلى أن علّة قتاله مع سيدنا عليّ كرم الله وجهه هو خلافه السياسي معه حول الطريقة المثلى للقصاص من قتلة عثمان رضي الله عنه.
وليس كما يزعم الضالون من أنه كان يعادي آل البيت لأنه يبغض النبي صلى الله عليه وسلم وقرابته! ويريد استئصال شأفتهم، وغير ذلك من الترهات.
ثم وقفنا عند سؤال: ما حكم من اجتهد من علماء الصحابة فأداه اجتهاده لقتال سيدنا عليّ كرّم الله وجهه؟!
أما الشيعة فيرون سيدنا عليًا عليه السلام معصومًا، وعليه يرون مخالفته إلى هذا الحدّ كفرًا بواحًا في ذاته.
فحال من يقاتله كحال من يقاتل رسول الله صلى الله عليه وسلم. لا اجتهاد في هذا ولا تأول.
وأما أنت أيها السنّي فلا تراه معصومًا، وإن كنت تجلّه وتفديه بأهلك ونفسك، ففعله اجتهادٌ منه يحتمل ويحتمل، كما أن فعل غيره من الصحابة اجتهاد.
لكنه يؤرقك قول النبي صلى الله عليه وسلم لسيدنا علي عليه السلام: لا يحبّك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق.
وتقول: كيف يقاتله معاوية ولا يكون مبغضًا له؟
وكيف يكون مبغضًا له ولا يكون منافقًا؟
ولحلّ هذا الإشكال عندك أيها السني: نورد بعضَ نصوص الوحي، ونورد بعض الوقائع التي توافقنا فيها، ثم نورد كلام سيدنا عليّ كرّم الله وجه نفسه، ثم تحكم بما أراك الله.
————
أما نصوص الوحي:
* فقد قال تعالى:
"وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا ۖ فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَىٰ فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيءَ إِلَىٰ أَمْرِ اللَّهِ ۚ فَإِن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا ۖ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ"
يقول ابنُ عباس رضي الله عنهما:
"فإن الله سبحانه أمر النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم والمؤمنين إذا اقتتلت طائفتان من المؤمنين أن يدعوهم إلى حكم الله، وينصف بعضهم من بعض, فإن أجابوا حكم فيهم بكتاب الله، حتى ينصف المظلوم من الظالم, فمن أبى منهم أن يجيب فهو باغ، فحقّ على إمام المؤمنين أن يجاهدهم ويقاتلهم، حتى يفيئوا إلى أمر الله، ويقرّوا بحكم الله"
فالقرآن الكريم يقول "بغت" وابن عباس في تفسيره يقول "فهو باغ"
ومع ذلك يثبت لهم الله تعالى الإيمان في قرآن يتلى إلى قيام الساعة، فيقول جلّ جلاله: "وإن طائفتان من المؤمنين"
فأمكن أن يكونوا بغاةً مؤمنين.
والطائفة الباغية هي طائفة معاوية رضي الله عنه، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمار بن ياسر رضي الله عنه: يا عمار تقتلك الفئة الباغية.
فهي طائفة باغية بنص الوحي في الحديث الشريف، ولا يمنع ذلك أن تكون طائفةً مؤمنة بنصّ الوحي في القرآن الكريم أيضًا.
* وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عن سيدنا الحسن عليه السلام: إن ابني هذا سيّد وسيصطلح الله به بين طائفتين من المسلمين.
فأثبت أن طائفة معاوية رضي الله عنه من المسلمين، بعد قتالهم لسيدنا عليٍّ كرّمَ الله وجهه.
* وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخوارج: تمرق مارقة على حين فرقة من المسلمين فتقتلهم أقرب الطائفتين للحق.
فأثبت لطائفة معاوية رضي الله عنه الإسلام لما قال "على حين فرقة من المسلمين"
وأثبت لهم قربًا من الحقّ، لأن قوله "أقرب" على صيغة أفعل التفضيل، وهي تفيد الاشتراك في أصل المعنى، أي أن لكل منهما قربا إلا أن أحدهما أقرب من الآخر.
ولا يكون ذلك إلا إن كان معاوية رضي الله عنه مجتهدًا مخطئًا، وإلا فلو كان منافقًا لما كان له من الحق أي قرب.
فهذا وصف القرآن لطائفة البغاة بالإيمان، ووصف النبي صلى الله عليه وسلم لطائفة معاوية رضي الله عنه بالإسلام وبقربٍ إلى الحق غير أنه أقل من قرب طائفة سيدنا علي عليه السلام!
فهل يجتمع ذلك مع كونه منافقًا يخفي النفاق أو كافرًا أو فاسقًا.. الخ؟
لا والله، لا يستقيم إلا باعتباره مجتهدًا مخطئًا.
————
هذا من جهة النصوص، ومن جهة أخرى فإنك أيها السني لا تنازعنا في أن عائشة وطلحة والزبير عليهم جميعًا رضوان الله من أهل الجنة لأن الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم بشّرهم بها.
ومع ذلك فقد قاتلوا سيدنا عليا عليه السلام في موقعة الجمل، ولا تتهمهم بأنهم كفار ولا منافقون ولا فساق، معاذ الله!
ولا تقول إنهم في قتالهم هذا ارتدوا أو نافقوا ثم تابوا، معاذ الله!
وقد قتل طلحة في المعركة فلا يقال إنه تاب بعد ردة ونفاق وفسق ونحو ذلك!
لكنك تقول:اجتهدوا في قتال سيدنا علي عليه السلام، واجتهد سيدنا عليٌّ في قتالهم، فأصاب سيدنا عليّ وأخطأوا، رضي الله عن الجميع.
وقال قال سيدنا عليٌّ لسيدنا الزبير رضي الله عنهما: "أنشدك الله أسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إنك تقاتل عليا وأنت ظالم له؟" فقال الزبير : "نعم، ولكن لم أذكر ذلك إلا الآن" وانصرف.
فوصفه رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه حين يقاتل سيدنا عليًا عليه السلام يكون ظالمًا له، لا أنه كافر أو منافق أو فاسق! بل ظالم، فيكون من البغاة الذين هم من المؤمنين.
فإن كان كذلك، فكذلك فليكن الأمر مع معاوية رضي الله عنه، الذي وصفه القرآن وطائفته بالإيمان، ووصفه النبي صلى الله عليه وسلم وطائفته بالإسلام
صحابيٌ جليلٌ زكّاه عمر فولّاه وأقره الصحابة، وشهد له ابن عباس بالاجتهاد، اجتهد اجتهاد أم المؤمنين وطلحة والزبير المبشرين بالجنة، فأخطأ خطأهم، فنعذره مثلهم، ورضي الله عن الجميع.
———————
زد على ذلك أنه لو كان يحارب سيدنا عليًا عليه السلام نفاقًا، وحربًا على الله ورسوله، ورغبة في إذلال آل البيت وعداءً لهم.
فإن هذا كافر مرتد، كيف يتنازل له سيدنا الحسن عليه السلام عن الإمامة العظمى للمسلمين؟
ما الفرق بين هذا وبين أن يتنازل النبي صلى الله عليه وسلم لأبي جهل في بداية الدعوة؟
وهل يسلم آل البيت عليهم السلام رقاب المسلمين للمنافقين والكفار؟!
فإذا فعل سيدنا الحسن هذا -وحاشاه-، فهل يمدح النبي صلى الله عليه وسلم فعله؟ وهل يقول إنه سيد بسبب هذا؟
معاذ الله!
بل لا يستقيم تنازل سيدنا الحسن عليه السلام له إلا بالقول إنه صحابي عالمٌ اجتهد فأخطأ، ليس كافرًا ولا منافقًا ولا فاسقًا.
———————-
ثم ما الذي صح عن سيدنا علي عليه السلام في من قاتله من الصحابة اجتهادًا؟
هل كان يراه كافرًا أو منافقًا أو فاسقًا؟
معاذ الله!
روى ابن أبي شيبة في مصنفه بسند صحيح عن الحسن بن علي عليهما السلام قال: "لقد رأيته - يعني علياً - حين اشتد القتال يلوذ بي ويقول: يا حسن، لوددت أني مت قبل هذا بعشرين حجة أو سنة"
فهل كان سيدنا علي رضي الله عنه إذا قاتل الكفار يقول ليتني مت قبل كذا؟!
لا والله! بل كان يفلق بذي الفقار هاماتهم ويقول: أنا الذي سمتني أمي حيدرة .. كليث غابات كريه المنظرة!
ولمّا جاءه خبر مقتل الزبير رضي الله عنه قال: بشّر قاتل ابن صفية بالنار.
وحمل سيف الزبير وقال: إن هذا السيف طال ما فرج الكرب عن وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ولما قتل طلحة رضي الله عنه وقف عليه سيدنا علي عليه السلام فجعل يمسح التراب من على وجهه ويقول:
"رحمة الله عليك أبا محمد، يعز علي أن أراك مجدولاً تحت نجوم السماء، ثم قال: إلى الله أشكو عجري وبجري، والله لوددت أني كنت مت قبل لهذا اليوم بعشرين سنة"
وقال سيدنا علي عليه السلام:
إني لأرجو أن أكون أنا وطلحة والزبير وعثمان ممن قال الله فيهم: (وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَاناً عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ)
ولما أرادت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها الخروج من البصرة بعد المعركة بعث سيدنا علي عليه السلام إليها بكل ما ينبغي من مركب وزاد ومتاع، واختار لها أربعين امرأة من نساء أهل البصرة المعروفات، وسيرَّ معها أخاها محمد بن أبي بكر، وقد كان في جيش سيدنا علي، وسار سيدنا علي معها مودعا ومشيعا، وسرَّح بنيه معها بقية ذلك اليوم.
وودعت السيدة عائشة رضي الله عنها الناس وقالت: يا بني لا يعتب بعضنا على بعض، إنه والله ما كان بيني وبين علي في القدم إلا ما يكون بين المرأة وأحمائها، وإنه على معتبتي لمن الأخيار، فقال علي: صدقت، والله ما كان بيني وبينها إلا ذاك، وإنها لزوجة نبيكم صلى الله عليه وسلم في الدنيا والآخرة.
ونادى منادٍ لسيدنا عليّ كرم الله وجهه:
"لا يقتل مدبر، ولا يدفف على جريح، ومن أغلق باب داره فهو آمن، ومن طرح السلاح فهو آمن"
فهذا تعامله عليه السلام مع من رفعوا عليه السلاح وحاربوه من الصحابة في موقعة الجمل، جعلهم إخوة وشهد لهم بالجنة، ولا يكون ذلك لو كانت مقاتلتهم لسيدنا عليّ رضي الله عنه كفرًا أو نفاقًا أو فسقًا.
بل لا يكون ذلك إلا لو كانوا قد اجتهدوا فأخطأوا، مع جلالتهم وعلوّ قدرهم ورفعة منزلتهم.
فماذا علينا لو تعاملنا مع صحابة آخرين، كسيدنا معاوية رضي الله عنه الذي شهد له عمر وزكاه وأقره الصحابة نفس التعامل الذي تعامله سيدنا علي عليه السلام مع غيره من الصحابة؟!
أما الشيعي فيكفّر الجميع ويرميهم بالنفاق، وأما أنت أيها السنّي فما جرأك على صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن أخطأوا وإن وإن؟!!
وقد صحّ عن سيدنا علي عليه السلام أنه قال: قتلاي في الجنة وقتلى معاوية في الجنة.
ولا يكون ذلك إلا وهو يرى معاوية صحابيًا أخطأ في اجتهاده، فمن تبعه فقد اتبع مجتهدًا مخطئًا
أما لو كان يراه كافرًا أو منافقًا النفاق الأكبر ويرى هؤلاء الناس قد اتبعوه على استئصال شأفة آل البيت عداءً لقرابة النبي صلى الله عليه وسلم؛ لعدّه هو ومن معه من حصب جهنّم!
فإثباته الجنة لقتلاه، مع إثبات النبي صلى الله عليه وسلم الإسلام لطائفته، والقرآنِ الإيمانَ للبغاة، ومع تعامل سيدنا عليّ كرّم الله وجهه مع من قاتلوه من الصحابة بنفس الاجتهاد لنفس العلة؛
جميع ذلك يسلّ سخيمة صدرك، ويجعله سالمًا لصحابي من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويجعلك تقول: أخطأ قطعًا.
ثم تقول: رضي الله عنه وأرضاه.
كما كان سيدنا عليّ عليه السلام يقاتل أهل الجمل، ويشهد لهم بالجنة.
ويقاتل أهل صفين ويقول: قتلاهم في الجنة.
فإذا مرّ بك قول النبي صلى الله عليه وسلم: لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق؛
علمت أن قتاله عن تأول واجتهاد لا يدخل في ذلك، لأن سيدنا عليا عليه السلام بنفسه لم يعتبر من قاتلوه من الصحابة كفارًا ولا منافقين النفاق الأكبر.
وقد بقي لنا الكلام عن بعض شبهات تثار عن سيدنا معاوية رضي الله عنه، كالزعم بأنه أمر بلعن سيدنا علي عليه السلام على المنابر ونحو ذلك، فنتناولها في المقال القادم إن شاء الله.
يُتبَع..

[٥]
عدد من الشبهات حول سيدنا معاوية رضي الله عنه.
———————
انتهينا في المقالات السابقة إلى أن معاوية رضي الله عنه كان صحابيًا جليلًا، زكاه الصحابة في دينه وعلمه، وإنما قاتل سيدنا عليًا عليه السلام باجتهاد أخطأ فيه، وكان سيدنا عليّ كرم الله وجهه يتعامل مع من قاتله اجتهادا بمبدأ: إخواننا بغوا علينا.
فلا جرم أن نترضى عن إخوان سيدنا عليّ كرم الله وجهه من الصحابة، وإن بغوا عليه، لأن البغي لا ينافي الإيمان.
"وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت احداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله"
فأثبت الإيمان للبغاة.
ونتناول في هذا المقال بعض الشبهات التي تثار عن سيدنا معاوية، فنبيّن ما فيها من كلام.
————
أما الشبهة الأولى فهي أنه سَنّ وأمَرَ بلعن سيّدنا عليّ كرم الله وجهه على المنابر، واستمر ذلك خمسين سنة أو يزيد حتى أبطل عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه تلك السنة.
والجواب: أن هذا لم يصحّ عن معاوية رضي الله عنه، وما ينقله بعض المؤرخين في بعض الكتب من ذلك ليس إلا كذبًا لا إسناد له، والعلماء إن تهاونوا وتساهلوا في قبول المرويات التاريخية ولم يعاملوها معاملة الأحاديث فإنما كان ذلك لأنه لا يؤخذ منها أحكام الحلال والحرام، فتهاونوا، فكيف إن كان سيحكم منها على صحابي من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم بالنفاق والفسق بل والكفر كما يفعله بعض الضالين؟! فلا يقال هنا نتساهل ونقبل، بل نفتش عن الأسانيد ونعمل فيها مبضع النقد لخطورة المقام.
يقول الألوسي رحمه الله:
"وما يذكره المؤرخون من أن معاوية رضي الله تعالى عنه كان يقع في الأمير علي كرم الله تعالى وجهه بعد وفاته ويظهر ما يظهر في حقه، ويتكلم بما يتكلم في شأنه؛ مما لا ينبغي أن يعول عليه أو يلتفت إليه، لأن المؤرخين ينقلون ما خبث وطاب، ولا يميزون بين الصحيح والموضوع والضعيف، وأكثرهم حاطب ليل، لا يدري ما يجمع، فالاعتماد على مثل ذلك في مثل هذا المقام الخطر والطريق الوعر مما لا يليق بشأن عاقل، فضلا عن فاضل"
ويقول القرطبي رحمه الله:
"يبعد على معاوية أن يصرح بلعنه وسبّه، لما كان معاوية موصوفا به من العقل والدين، والحلم وكرم الأخلاق، وما يروى عنه من ذلك فأكثره كذب لا يصح، وأصح ما فيها قوله لسعد بن أبي وقاص: ما يمنعك أن تسب أبا تراب ؟
وهذا ليس بتصريح بالسب، وإنما هو سؤال عن سبب امتناعه ليستخرج ما عنده من ذلك، أو من نقيضه، كما قد ظهر من جوابه، ولما سمع ذلك معاوية سكت وأذعن، وعرف الحق لمستحقه"
ثم يقول:
"وأما التصريح باللّعن، وركيك القول، كما قد اقتحمه جهّال بني أمية وسفلتهم، فحاش معاوية منه، ومن كان على مثل حاله من الصحبة والدّين والفضل والحلم والعلم والله تعالى أعلم"
وما ذكره القرطبي من حديث سعد بن أبي وقاص، المراد به:
ما في صحيح مسلم:
"عن عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: أَمَرَ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ سَعْدًا فَقَالَ: مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسُبَّ أَبَا التُّرَابِ؟ فَقَالَ: أَمَّا مَا ذَكَرْتُ ثَلَاثًا قَالَهُنَّ لَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَنْ أَسُبَّهُ، لَأَنْ تَكُونَ لِي وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ لَهُ…"
ثم ذكر من فضائل سيدنا علي عليه السلام.
وقد فهم بعض الناس من ذلك أن معاوية رضي الله عنه كان يأمر بسب سيدنا عليّ كرم الله وجهه، وليس كذلك.
فليس في الحديث أمرٌ بالسبّ، بل فيه سؤال عن سبب عدم سبه إياه مع كثرة من يسبه من الناس.
يقول القاضي عياض في شرح هذا الحديث: "ليس فيه تصريح بأنه أمره بسبه، وإنما سأله عن السبب المانع له من السب، وقد سئل عن مثل هذا السؤال من يستجيز سب المسؤول عنه، وسئل عنه من لا يستجيزه.
فقد يكون معاوية رأى سعدا بين قوم يسبونه، ولا يمكن الإنكار عليهم، فقال: ما منعك أن تسب أبا تراب؛ ليستخرج منه مثل ما استخرج مما حكاه عن النبى صلى الله عليه وآله وسلم، فيكون له حجة على من سبه ممن ينضاف إليه من غوغاء جنده، فيحصل على المراد على لسان غيره من الصحابة.
ويمكن أن يريد السب الذى هو بمعنى التغيير للمذهب والرأى، وقد سمى ذلك فى العرف سبا، ويقال فى فرقة: إنها تسب أخرى إذا سمع منهم أنهم اخطؤوا فى مذاهبهم، وحادوا عن الصواب، وأكثروا من التشنيع عليهم، فمن الممكن أن يريد معاوية من سعد بقوله: «ما منعك أن تسب أبا التراب؟» أى يظهر للناس خطأه فى رأيه، وإن رأينا وما نحن عليه أشد وأصوب"
وبمثله قال النووي وغيره.
والعقل لا يقبل أن يذهب معاوية رضي الله عنه لسعد بن أبي وقاص رضي الله عنه السابق في الإسلام المبشر بالجنة الذي سمع أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في مدح سيدنا علي، والذي اعتزل حربه مع سيدنا عليّ كرم الله وجهه ولم يدخل فيها، ثم يطلب من أن يسبّ عليًا!
بل لو كان يسبّ فهو أحوج إلى مداهنة كبار الصحابة من أمثال سعد منه إلى هذا، لئلا ينكر عليه أمام الناس فيضعفه.
فلو قدر أنه كان كما يزعمون يأمر بالسب وكذا، لكان يمكن هذا مع بعض الجهلة الأغمار، لا مع سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، فدل ذلك على ما فسر العلماء به الحديث.
ثم إن الذي وردنا من الأخبار عن معاوية رضي الله عنه أنه كان يصرح بتفضيل عليٍّ كرم الله وجهه عليه، ويمدحه أمام الناس، فكيف يلعنه على المنابر مع ذلك؟
* روى الذهبي أن أبا مسلم الخولاني قال لمعاوية:
"أنت تنازع علياً أم أنت مثله ؟ فقال: لا والله، إني لأعلم أنَّه أفضل منِّي وأحقُّ بالأمر منِّي، ولكن ألستم تعلمون أنَّ عثمان قُتِل مظلوماً، وأنا ابن عمِّه، والطالب بدمه، فأتوه، فقولوا له، فليدفع إليَّ قتلة عثمان، وأسلم له، فأتوا علياً، فكلموه، فلم يدفعهم إليه"
* وفي عمدة عيون صحيح الأخبار:
عن أبي حازم قال: "جاء رجل إلى معاوية فسأله عن مسألة فقال: سل عنها علي بن أبي طالب، فهو أعلم بها
فقال: يا أمير المؤمنين جوابك فيها أحبُّ إليَّ من جواب علي، فقال: بئسما قلت ولؤم ما جئت به، ولقد كرهت رجلاً كان رسول الله (صلى الله عليه وآله يغره العلم غرَّا، ولقد قال له رسول الله صلى الله عليه وآله: أنت منَّي بمنزلة هارون من موسى غير أنَّه لا نبيَّ بعدى، وكان عمر إذا أشكل عليه شيء يأخذ منه ولقد شهدتُ عمر وقد أشكل عليه شيء فقال: عمر: هاهنا علي؟
قم، لا أقام الله رجليك"
* وفي الاستيعاب لابن عبد البر:
قال معاوية لضرار الصّدائي: "يا ضرار، صف لي علياً، قال: أعفني يا أمير المؤمنين، قال: لتصفنَّه، قال: أَّما إذ لا بدَّ من وصفه فكان والله بعيد المدى، شديد القوى، يقول فصلاً، ويحكم عدلاً، يتفجَّر العلم من جوانبه، وتنطق الحكمة من نواحيه، ويستوحش من الدنيا وزهرتها، ويستأنس بالليل ووحشته، وكان غزير العبرة، طويل الفكرة، يعجبه من اللباس ما قصر، ومن الطعام ما خشن، وكان فينا كأحدنا، يجيبنا إذا سألناه، وينبئنا إذا استنبأناه، ونحن والله، مع تقريبه إيَّانا وقربه منَّا، لا نكاد نكلمه هيباً له، يعظَّم أهل الدّين، ويقرّب المساكين، لا يطمع القويّ في باطله، ولا ييئس الضعيف من عدله، وأشهد [ أنَّه ] لقد رأيته في بعض مواقفه، وقد أرخى الليل سدوله، وغارت نجومه، قابضاً على لحيته ، يتململ تململ السليم، ويبكى بكاء الحزين ، ويقول: يا دنيا غرِّي غيري، إليَّ تعرّضت أم إليَّ تشوّفت ! هيهات هيهات ! قد باينتك ثلاثاً لا رجعة فيها، فعمرك قصير، وخطرك قليل، آه من قلَّة الزاد، وبعد السفر، ووحشة الطريق، فبكى، معاوية وقال: رحم الله أبا الحسن، كان والله كذلك، فكيف حزنك عليه يا ضرار؟ قال: حزن من ذبح ولدها وهو في حجرها، وكان معاوية يكتب فيما ينزل به ليسأل له عليّ بن أبي طالب (رضي الله عنه) عن ذلك، فلمَّا بلغه قتله قال: ذهب الفقه والعلم بموت ابن أبي طالب، فقال له أخوه عتبة: لا يسمع هذا منك أهل الشام، فقال له: دعني عنك"
وغير ذلك من عشرات الأخبار التي لا يمكن الجمع بينها وبين أنه كان يأمر بسبه ولعنه عياذًا بالله!
ثم إن العقل يأبى تصديق ما يزعمه الكذابون من أنه سنّ لعنه على المنابر، فبعد حربٍ ضروسٍ شديدة كاد يُهزم فيها معاوية عدة مرات لولا المقادير، ثم مقتل سيدنا علي عليه السلام صدفة باغتيال بعض الخوارج له، ثم اجتماع الناس حول سيدنا الحسن عليه السلام بعدد وعدة وعتاد، لكن يصطلح معه سيدنا الحسن عليه السلام فيستتب لمعاوية الأمر -دون أن يحلم هو بذلك- وتهدأ النفوس شيئًا ما، وتخمد الصراعات، وتضع الحرب أوزارها، ويصير معاوية الخليفة بلا منازع.
أيشعلها هو مرة أخرى بلعن سيدنا عليّ كرم الله وجهه على المنابر؟
فأين بنو هاشم؟ أين الحسن والحسين عليهما السلام وهما حيان يرزقان؟!
سيدنا الحسين الذي رفض الأسر حتى قتل، أكان يرضى بهذا؟!
مع ما ورد من أخبار تفيد الصلة بينهما وبين معاوية رضي الله عنه طوال فترة خلافته.
وأين الصحابة؟
نقل ابن كثير عن الأوزاعي رحمه الله قوله: "أَدْرَكَتْ خِلَافَةَ مُعَاوِيَةَ عِدَّةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ ; مِنْهُمْ أُسَامَةُ، وَسَعْدٌ، وَجَابِرٌ، وَابْنُ عُمَرَ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَمَسْلَمَةُ بْنُ مُخَلَّدٍ، وَأَبُو سَعِيدٍ، وَرَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ، وَأَبُو أُمَامَةَ، وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، وَرِجَالٌ أَكْثَرُ مِمَّنْ سَمَّيْنَا بِأَضْعَافٍ مُضَاعَفَةٍ، كَانُوا مَصَابِيحَ الْهُدَى، وَأَوْعِيَةَ الْعِلْمِ، حَضَرُوا مِنَ الْكِتَابِ تَنْزِيلَهُ، وَأَخَذُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَأْوِيلَهُ ; وَمِنَ التَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، مِنْهُمُ الْمِسْوَرُ بْنُ مَخْرَمَةَ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْأَسْوَدِ بْنِ عَبْدِ يَغُوثَ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَيْرِيزٍ، وَفِي أَشْبَاهٍ لَهُمْ لَمْ يَنْزِعُوا يَدًا عَنْ مُجَامَعَةٍ فِي أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ." انتهى.
فهل يسمع جميع هؤلاء لعن سيدنا علي كرم الله وجهه على المنابر ويسكتون عليه؟!
معاذ الله! كيف وهم الذين أنكروا عليه تولية ابنه يزيد!
فمتى داهنوه ومتى نافقوه ليتهموا بالسكوت على مثل هذا؟!
وما الذي يستفيده معاوية رضي الله عنه بعدما هدأت الأمور من إشعالها مرة أخرى، وفعل ما سينكره عليه الصحابة على رؤوس الأشهاد مما يضعف موقفه ويهز صورته أمام الناس؟!
لا أقول كيف يفعل ذلك وهو الصحابي الذي شهد له الصحابة بكذا كذا، بل كيف يفعل ذلك وهو السياسي الداهية المحنك باتفاق السنة والشيعة؟!
فالحاصل أن الأخبار والعقل يستبعدان ثبوت تلك التهمة عن معاوية رضي الله عنه.
والأقرب والله أعلم أنه بعدما هدأت الأمور ووضعت الحرب أوزارها؛ ربما فعل ذلك بعض السفلة والغوغاء والفساق، لكنه لم يكن ظاهرة عامة فضلا عن أن يأمر به معاوية وتكون سنة يسنها!
واستمر الأمر كذلك حتى تورط يزيد لعنه الله في دم سيدنا الحسين عليه السلام، فرجع الاستقطاب مرة أخرى، وعادت الأمور أسوأ مما كانت، ولم يجد بنو أمية بُدًا من تشويه العترة الطاهرة، لأنه إن كان أهل البيت أطهارًا أشرافًا فكيف تقتلونهم؟!
فمن هنا بدأت تغذية النصب واللعن والسب الذي كان خاملًا شيئًا ما في عهد معاوية، فانتشر بين هؤلاء الفساق حتى أبطله عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه.
أما أن يكون سنة معاوية فهذا لا يصحّ، إلا في عقل شيعي يقبل أن يلعن معاوية رضي الله عنه سيدنا عليًا عليه السلام على المنابر لأن معاوية كان كافرا، ومن زكاه من الصحابة قديما كانوا مثله كفارًا، ولا بأس عنده أن يسكت الصحابة على لعنه لسيدنا عليّ كرم الله وجهه على المنابر لأنهم عنده كفار أيضًا.
أما عندنا فلا يستقيم ذلك الهراء بحال من الأحوال.
————————
أما الشبهة الثانية فقولهم: لماذا لم يسلّم لسيدنا علي كرم الله وجهه لما قُتِلَ عمّارٌ، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا عمار تقتلك الفئة الباغية.
فقد تبين له أنه باغٍ ومع ذلك استمر في بغيه!
والجواب أنه لم يتبين له بغيه، لأنه تأول الحديث بأن الذين قتلوا عمارا هم الذين جاؤوا به إلى الحرب، فهم المتسببون في قتله.
وهذا احتمالٌ يحتمله النص مجازًا، لكن لا يصح حمل النصّ على هذا الاحتمال لعدم وجود القرينة، لذلك كان تأوله خاطئًا.
وقد أدنى ذلك التأويل من نفسه نصوصٌ أخرى يحتج به، منها قول الله تعالى: "ومن قُتل مظلومًا فقد جعلنا لوليه سلطانًا"
وسيدنا عثمان رضي الله عنه قتل مظلوما، وهو ولي دمه لأنه رأس قومه، فرأى أنه صاحب حقّ وأن المانعه من حقه هو الباغي عليه، ومن ثم حمل حديث البغاة هذا الحمل الخاطئ.
وغير ذلك كأمر النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن يكون مع والده يطيعه حتى يموت. وعمرو بن العاص مع معاوية في جيشه وصفه.
كل هذا وغيره قرّب إليه هذا التأويل الخاطئ للحديث، فحمله على غير وجهه.
ولذلك سرى هذا التأويل في جيش الشوام وقبلوه، ولو كان محض مكابرة لا وجه لها البتة ولا يمكن تأول ذلك الحديث بحال؛ لقال له الناس: إنك تكابر! ولما قبلوا منه تأوله هذا!
لكن انتشاره بينهم يدل على إمكان الخطأ والزلل فيه.
ونظيره ما حصل للسيدة عائشة رضي الله عنها عند موقعة الجمل، لما نبحتها كلابٌ فسألت أين نحن فقالوا عند ماء الحوأب، فاسترجعت وحزنت وقالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ليت شعري أيُّكن تنبحها كلاب الحوأب؟ فأنا المرادة
فجعل الزبير رضي الله عنه يهدئ من روعها ويقول لها ما خرجتِ إلا للإصلاح بين المسلمين، فتأولا الحديث وتابعا ولم ترجع!
ولم يرمهما أحدٌ بسبب ذلك في دينهما، ولا حتى سيدنا علي كرم الله وجهه، اللهم إلا الشيعة الروافض!
ولا يسلم أحدٌ من تأول خطأ لحديث من الأحاديث ولو كان صحابيًا، لا سيما مع شدة الفتنة وقعقعة السيوف وطقطقة النبل، فإذا شمّرت الحرب لم تكن الأحلام هي الأحلام، والمعصوم من يعصمه الله!
———————————
الشبهة الثالثة:
إن كان معاوية رضي الله عنه لم يقاتل سيدنا عليا كرم الله وجهه إلا لأنه يريد القصاص من قتلة عثمان رضي الله عنه، فلماذا لم يقتص منهم لما تولّى الخلافة؟
ألا يدل ذلك على أن هذا لم يكن هو السبب؟ وإنما كان ستارًا يخفي فيه أطماعه؟
الجواب: مشكلة الذي يطرح هذه الشبهة أنه يتكلم كأن معاوية طالب بدم عثمان في صلاة الظهر ثم تولى الخلافة في صلاة العصر ولم يقتص ممن قتله!
بل قُتل سيدنا عثمان رضي الله عنه عام ٣٥ هجريًا، وتولى سيدنا معاوية رضي الله عنه الخلافة عام ٤٠ هجريًا، فبينهما خمسة أعوام
في هذه الأعوام الخمسة حصلت من الفتن والقلاقل وإراقة دماء المسلمين ما لا يخفى، مما جعل الخرق يتّسع على الراقع، والأمور تخرج عن سيطرة الجميع، فسار الجميع في طريقٍ تستحيل العودة منه.
فلما أصلح الله جميع ذلك بسيد شباب أهل الجنة، سيدنا الحسن بن علي عليهما السلام؛ كانت فرصة لا تتكرر لرأب الصدع وإخماد الفتنة وتهدئة الأمور، وقد قيل إن سيدنا الحسن عليه السلام شارط معاوية رضي الله عنه بأن لا يأخذ أحدًا بما مضى ليتم الصلح والاجتماع.
فلما تم الصلح رأى سيدنا معاوية رضي الله عنه ما كان رآه سيدنا علي كرم الله وجهه قبل سنوات، من أن القصاص سيترتب عليه شر كبير للمسلمين.
وليس الناس سواءً في معرفة الفتن، فمنهم من يعرفها وهي مقبلة، ومنهم من لا يعرفها إلا بعدما يعيشها ويراها بعينيه.
فالذي نقوله: إن سبب عدم تتبع معاوية رضي الله عنه لقتلة عثمان أنه رأى ذلك سيشعل الفتنة مرة أخرى ويعيد الحرب جذعة كما كانت، بعدما جاءت للمسلمين فرصة ذهبية لن تتكرر بإخماد سيدنا الحسن عليه السلام لتلك الفتنة.
فلماذا لم يفعل ذلك بادئ الأمر؟ لأنه لم يكن كسيدنا علي عليه السلام في الرتبة والعلم والبصيرة، فلم ير هذا الرأي بعد مقتل سيدنا عثمان رضي الله عنه مباشرة، فأخطأ في ما ذهب إليه حينها.
——————————-
الشبهة الرابعة:
توليته ليزيد لعنه الله من بعده.
الجواب: هذا من أخطاء سيدنا معاوية رضي الله عنه، اجتهد فيه ورأى أن ابنه أقدر على سياسة الأمور من غيره، وكان خطأً لا شكّ فيه.
وقد يجتهد الصحابي أو التابعي أو الإمام اجتهادًا مقرونًا بالظن ونوعٍ من الهوى الخفيِّ الذي لا يكاد يسلم منه إلا الكبار كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي عليهم جميعا رضوان الله، فيخطئ بسبب ذلك ويزلّ، وإن كان من أولياء الله المتقين.
ولا يكون ذلك الخطأ سببًا في إسقاطه وقدحه وتهمته بالفسق أو النفاق فضلا عن الكفر!
ألا ترى ما فعله حاطب بن أبي بلتعة فإنه قد رُويَ:
"لما أجمع رسول الله ﷺ المسير إلى مكة، كتب حاطب بن أبى بلتعة كتابا إلى قريش يخبرهم بالذى أجمع عليه رسول الله ﷺ من الأمر فى السير إليهم.
ثم أعطاه امرأة زعم محمد بن جعفر أنها من مزينة، وزعم لى غيره أنها سارة مولاة لبعض بنى عبد المطلب، وجعل لها جعلا على أن تبلغه قريشا، فجعلته فى رأسها، ثم فتلت عليه قرونها، ثم خرجت به.
وأتى رسول الله ﷺ الخبر من السماء بما صنع حاطب، فبعث على بن أبى طالب والزبير بن العوام، فقال: "أدركا امرأة قد كتب معها حاطب بن أبى بلتعة بكتاب إلى قريش، يحذرهم ما قد أجمعنا له من أمرهم".
فخرجا حتى أدركاها بالحليفة، حليفة بنى أبى أحمد فاستنزلاها، فالتمساه فى رحلها، فلم يجدا فيه شيئا.
فقال لها علي: إنى أحلف بالله ما كذب رسول الله ﷺ ولا كذبنا، ولتخرجن لنا هذا الكتاب أو لنكشفنك.
فلما رأت الجد منه قالت: أعرض، فأعرض، فحلت قرون رأسها، فاستخرجت الكتاب منها، فدفعته إليه.
فأتى به رسول الله ﷺ، فدعا رسول الله ﷺ حاطبا، فقال: "يا حاطب ما حملك على هذا؟".
فقال: يا رسول الله أما والله إنى لمؤمن بالله وبرسوله ما غيرت ولا بدلت، ولكننى كنت امرءا ليس لى فى القوم من أصل ولا عشيرة، وكان لى بين أظهرهم ولد وأهل، فصانعتهم عليهم.
فقال عمر بن الخطاب: يا رسول الله دعنى فلأضرب عنقه فإن الرجل قد نافق.
فقال رسول الله ﷺ: "وما يدريك يا عمر، لعل الله قد اطلع على أصحاب بدر يوم بدر، فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم".
وأنزل الله فى حاطب: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّى وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ... "
فهذا صحابيٌ أخطأ هذا الخطأ الجسيم خوفًا على ولده وميلًا لهم، فكشف سرًا من أسرار رسول الله صلى الله عليه وسلم الحربية للكفار، واتهمه عمر رضي الله عنه من أجل ذلك بالنفاق وأراد ضرب عنقه، فأرشده رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينظر للحسنات -وهي كونه من أهل بدر- كما ينظر للسيئات والخطايا.
ثم أنزل الله تعالى قرآنا يثبت له فيه الإيمان بقوله: "يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء"
فنحن ننظر لحسنات الصحابي كما ننظر لأخطائه على ما علمنا رسول الله صلى الله عليه، ونقول ما قاله الإمام الذهبي رحمه الله:
"ومعاوية من خيار الملوك الذين غلب عدلهم على ظلمهم، وما هو ببريء من الهنات، والله يعفو عنه"
وهذا الخطأ ما هو إلا مظهرٌ من مظاهر علوّ رتبة من هم كسيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه على من هم في رتبة سيدنا معاوية رضي الله عنه.
فعمر لما حضره الموت أمر المسلمين أن يختاروا من ستة، ثم جعل معهم ابنه وأمر أن لا يكون له من أمر الخلافة شيء.
ولم نزعم ولا زعم عاقل أن معاوية بلغ من الكمال ما بلغه أبو بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عن الجميع، لذلك لم يكن خليفة راشدًا، لكنه كان خير الملوك، أخره عن مرتبته نحو تلك الأخطاء.
——————-
فهذا تناولٌ لبعض أمور متفرقة عن معاوية رضي الله عنه، ضلّ بسببها البعض فكفره، وضلّ البعض فرماه بالنفاق أو بالفسق.
أما الأئمة والأولياء فكانوا على ما بينته لك، من إجلالهم الصحابي والترضي عنه، وحمل أخطائه على الاجتهاد، وغمسها في حسناته وصُحبَته.
وفي المقال القادم أنقل لك موقف الصحابة والتابعين والأئمة والأولياء الكبار من سيدنا معاوية رضي الله عنه وأرضاه، لتقر بلابلك وتطمئن نفسك إن شاء الله.
يُتبَع..

[٦]
خاتمة المقالات..
موقف علماء وأولياء أهل السنة والجماعة من سيدنا معاوية رضي الله عنه:
——————-
لم يغب عن أئمة علماء السنة رضوان الله عليهم أن الفتنة التي جرت بين سيدنا علي عليه السلام وسيدنا معاوية رضي الله عنه كانت سببًا في كثرة الوضع والكذب واختلاق الفضائل وحكاية ما لم يكن.
بل نبّهوا على ذلك حتى قال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله لابنه:
"اعلم أن عليا كان كثير الأعداء ففتش أعداؤه له عيبا فلم يجدوا فعمدوا إلى رجل قد حاربه فأطروه كيادا منهم لعلي"
وقال ابن الجوزي رحمه الله: "قد تعصب قوم ممن يدعى السنة فوضعوا في فضله أحاديث ليغضبوا الرافضة وتعصب قوم من الرافضة فوضعوا في ذمه أحاديث، وكلا الفريقين على الخطأ القبيح"
وفي تحليل تلك الحالة تحليلًا دقيقًا يقول الذهبي رحمه الله:
"وخلف معاوية خلق كثير يحبونه ويتغالون فيه ويفضلونه، إما قد ملكهم بالكرم والحلم والعطاء، وإما قد ولدوا في الشام على حبه، وتربى أولادهم على ذلك.
وفيهم جماعة يسيرة من الصحابة، وعدد كثير من التابعين والفضلاء، وحاربوا معه أهل العراق، ونشأوا على النصب، نعوذ بالله من الهوى.
كما قد نشأ جيش علي رضي الله عنه ورعيته -إلا الخوارج منهم- على حبه والقيام معه، وبغض من بغى عليه والتبري منهم، وغلا خلق منهم في التشيع.
فبالله كيف يكون حال من نشأ في إقليم لا يكاد يشاهد فيه إلا غاليا في الحب، مفرطا في البغض، ومن أين يقع له الإنصاف والاعتدال؟
فنحمد الله على العافية الذي أوجدنا في زمان قد انمحص فيه الحق واتضح من الطرفين، وعرفنا مآخذ كل واحد من الطائفتين، وتبصرنا، فعذرنا واستغفرنا وأحببنا باقتصاد، وترحمنا على البغاة بتأويل سائغ في الجملة، أو بخطأ -إن شاء الله- مغفور، وقلنا كما علمنا الله ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا"
غير أن ملاحظتهم لكثرة ما وضع من الكذب لم يمنعهم من أن ينزلوا كل واحد منزلته، فتجد التعظيم التام لسيدنا معاوية رضي الله عنه هو شعار أهل السنة والجماعة قرنًا بعد قرن، من علمائهم وأوليائهم، سلفًا وخلفًا، لا يكاد يشذّ منهم أحد، ومن شذّ ردوا عليه وأنكروا الإنكار الغليظ.
فقد سئل عبد الله بن المبارك رضي الله عنه أيهما أفضل: معاوية بن أبي سفيان، أم عمر بن عبد العزيز؟
فقال: "والله إن الغبار الذي دخل في أنف معاوية مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل من عمر بألف مرة، صلى معاوية خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: سمع الله لمن حمده، فقال معاوية: ربنا ولك الحمد. فما بعد هذا؟"
وفي البداية والنهاية عن عبد الله بن المبارك أنه قال: "معاوية عندنا محنة، فمن رأيناه ينظر إليه شزراً اتهمناه على القوم، يعني الصحابة."
وروى مالك عن الزهرى قال سألت سعيد بن المسيب عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لي:
"اسمع يا زهري من مات محبا لأبى بكر وعمر وعثمان وعلي وشهد للعشرة بالجنة وترحم على معاوية كان حقا على الله أن لا يناقشه الحساب".
وعن الأعمش أنه ذكر عنده عمر بن عبد العزيز وعدله فقال:"فكيف لو أدركتم معاوية؟ قالوا: يا أبا محمد يعني في حلمه؟ قال: لا والله، ألا بل في عدله"
قال الإمام مالكٌ رحمه الله: "من شتم أحدًا من أصحابِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؛ أبا بكرٍ أو عُمَرَ، أو عثمانَ أو معاويةَ، أو عَمْرَو بن العاصِ، فإنْ قال: كانوا على ضلالٍ وكُفرٍ، قُتِلَ"
وسئل الإمام أحمد بن حنبل إمام أهل السنة والجماعة:
ما تقول رحمك الله فيمن قال: لا أقول إن معاوية كاتب الوحي، ولا أقول إنه خال المؤمنين فإنه أخذها بالسيف غصباً؟
فأجاب الإمام أحمد: "هذا قول سوء رديء، يجانبون هؤلاء القوم، ولا يجالسون، و نبين أمرهم للناس"
وقال الفضل ابن زياد سمعت أبا عبد الله- أحمد بن حنبل- يسأل عن رجل تنقَّص معاوية وعمرو بن العاص أيقال له رافضي فقال:إنه لم يجترئ عليهما إلا وله خبيئة سوء، ما انتقص أحد أحداً من الصحابة إلا وله داخلة سوء.
وفي صحيح البخاري يروي الإمام البخاري عن معاوية فيقول: "عن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما قال"
ويقول عنه ابن عساكر رحمه الله : "خال المؤمنين وكاتب وحي رب العالمين".
أما الفخر الرازي إمام المذهب الأشعري رحمه الله فيقول:
"كُلُّ مَن طعنَ فى أحدٍ مِن الصَّحابةِ فهو مبتدِعٌ."
ويقول ابن قدامة المقدسي رحمه الله: "ومعاوية خال المؤمنين، وكاتب وحي الله، وأحد خلفاء المسلمين رضي الله تعالى عنهم".
ويقول ابن الصلاح رحمه الله: "ثم إنَّ الأُمَّةَ مجمِعةٌ على تعديلِ جميعِ الصَّحابةِ، ومن لابَسَ الفِتَنَ منهم فكذلك، بإجماعِ العُلَماءِ الذين يُعتَدُّ بهم في الإجماعِ؛ إحسانًا للظَّنِّ بهم، نظرًا إلى ما تمهَّد لهم من المآثِرِ"
ويقول النووي رحمه الله: "وكُلُّهـم عُدولٌ رَضِيَ اللهُ عنهم، ومتأوِّلون في حُروبِهم وغَيرِها، ولم يُخرِجْ شَيءٌ من ذلك أحدًا منهم عن العدالةِ،… ولهذا اتَّفَق أهلُ الحَقِّ ومن يُعتَدُّ به في الإجماعِ على قَبولِ شَهاداتِهم ورواياتِهم، وكَمالِ عَدالتِهم رَضِيَ اللهُ عنهم أجمعين"
ويقول السبكي رحمه الله: "أمَّا أصحابُنا يعني الشَّافعيَّةَ فقد قال القاضي حُسَين في تعليقِه في بابِ اختلافِ نيَّةِ الإمامِ والمأمومِ: ومن سَبَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يكفُرُ بذلك، ومن سَبَّ صحابيًّا فَسَق"
ويقول ابن كثير رحمه الله: "الصَّحابةُ كُلُّهم عدولٌ عند أهلِ السُّنَّةِ والجماعةِ"
وتجد هذا مستفيضًا في جميع كتب علم الكلام والعقيدة المعتمدة عند أهل السنة والجماعة، لا يشذ عن ذلك كتاب واحد.
وليس هذا التعظيم الذي عليه أهل السنة خاصًا بعلماء الظاهر، بل هو كلام سادتنا كبار الأولياء من أهل الكشف، الذين شاهدوا وعاينوا وتحدثوا عن رؤية وشهود لا عن خبر يحكيه فلان عن فلان!
يقول القطب الغوث سيدي عبد القادر الجيلاني المجمع على ولايته:
"ﻭﺃﻣﺎ ﻗﺘﺎﻟﻪ - يعني سيدنا عليًا- ﺭﺿﻲ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻨﻪ ﻟﻄﻠﺤﺔ ﻭﺍﻟﺰﺑﻴﺮ ﻭﻋﺎﺋﺸﺔ ﻭﻣﻌﺎﻭﻳﺔ رضي الله عنهم.. ﻓﻘﺪ ﻧﺺ ﺍﻹ‌ﻣﺎﻡ ﺃﺣﻤﺪ ﺭﺣﻤﻪ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻠﻰ ﺍﻹ‌ﻣﺴﺎﻙ ﻋﻦ ﺫﻟﻚ ﻭﺟﻤﻴﻊِ ﻣﺎ ﺷﺠﺮ ﺑﻴﻨﻬﻢ ﻣﻦ ﻣﻨﺎﺯﻋﺔ ﻭﻣﻨﺎﻓﺮﺓ ﻭﺧﺼﻮﻣﺔ ؛ ﻷ‌ﻥ ﺍﻟﻠﻪ ﺗﻌﺎﻟﻰ.. ﻳﺰﻳﻞ ﺫﻟﻚ ﻣﻦ ﺑﻴﻨﻬﻢ ﻳﻮﻡ ﺍﻟﻘﻴﺎﻣﺔ ، ﻛﻤﺎ ﻗﺎﻝ ﻋﺰ ﻭﺟﻞ : {ﻭﻧﺰﻋﻨﺎ ﻣﺎ ﻓﻲ ﺻﺪﻭﺭﻫﻢ ﻣﻦ ﻏﻞ ﺇﺧﻮﺍﻧﺎ ﻋﻠﻰ ﺳﺮﺭ ﻣﺘﻘﺎﺑﻠﻴﻦ} ؛ ﻭﻷ‌ﻥ ﻋﻠﻴﺎ ﺭﺿﻲ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻨﻪ.. ﻛﺎﻥ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺤﻖ ﻓﻲ ﻗﺘﺎﻟﻬﻢ ، ﻷ‌ﻧﻪ ﻛﺎﻥ ﻳﻌﺘﻘﺪ ﺻﺤﺔ ﺇﻣﺎﻣﺘﻪ ﻋﻠﻰ ﻣﺎ ﺑﻴﻨﺎ ﻣﻦ ﺍﺗﻔﺎﻕ ﺃﻫﻞ ﺍﻟﺤﻞ ﻭﺍﻟﻌﻘﺪ ﻣﻦ ﺍﻟﺼﺤﺎﺑﺔ ﻋﻠﻰ ﺇﻣﺎﻣﺘﻪ ﻭﺧﻼ‌ﻓﺘﻪ . ﻓﻤﻦ ﺧﺮﺝ ﻋﻦ ﺫﻟﻚ ﺑﻌﺪ ﻭﻧﺎﺻﺒﻪ ﺣﺮﺑﺎً.. ﻛﺎﻥ ﺑﺎﻏﻴﺎً ﺧﺎﺭﺟﺎً ﻋﻠﻰ ﺍﻹ‌ﻣﺎﻡ ﻓﺠﺎﺯ ﻗﺘﺎﻟﻪ . ﻭﻣﻦ ﻗﺎﺗﻠﻪ ﻣﻦ ﻣﻌﺎﻭﻳﺔ ﻭﻃﻠﺤﺔ ﻭﺍﻟﺰﺑﻴﺮ.. ﻃﻠﺒﻮﺍ ﺛﺄﺭ ﻋﺜﻤﺎﻥ ﺧﻠﻴﻔﺔ ﺍﻟﺤﻖ ﺍﻟﻤﻘﺘﻮﻝ ﻇﻠﻤﺎً ، ﻭﺍﻟﺬﻳﻦ ﻗﺘﻠﻮه.. ﻛﺎﻧﻮﺍ ﻓﻲ ﻋﺴﻜﺮ ﻋﻠﻲ ﺭﺿﻲ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻨﻪ. ﻓﻜﻞ ﺫﻫﺐ ﺇﻟﻰ ﺗﺄﻭﻳﻞ ﺻﺤﻴﺢ.
ﻓﺄﺣﺴﻦ ﺃﺣﻮﺍﻟﻨﺎ: ﺍﻹ‌ﻣﺴﺎﻙ ﻓﻲ ﺫﻟﻚ، ﻭﺭﺩﻫﻢ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﺰ ﻭﺟﻞ، ﻭﻫﻮ ﺃﺣﻜﻢ ﺍﻟﺤﺎﻛﻤﻴﻦ ﻭﺧﻴﺮ ﺍﻟﻔﺎﺻﻠﻴﻦ، ﻭﺍﻻ‌ﺷﺘﻐﺎﻝ ﺑﻌﻴﻮﺏ ﺃﻧﻔﺴﻨﺎ ﻭﺗﻄﻬﻴﺮ ﻗﻠﻮﺑﻨﺎ ﻣﻦ ﺃﻣﻬﺎﺕ ﺍﻟﺬﻧﻮﺏ، ﻭﻇﻮﺍﻫﺮﻧﺎ ﻣﻦ ﻣﻮﺑﻘﺎﺕ ﺍﻷ‌ﻣﻮﺭ"
وقال الشيخ الأكبر محيي الدين ابن العربي رضي الله عنه:
"كذلك ما أحدثَه معاوية كاتبُ رسول الله صلى الله عليه و سلم، وصهرُه، خالُ المؤمنين، فالظنُّ بهم جميل رضي الله عن جميعهم، و لا سبيل إلى تجريحهم، وإن تكلَّمَ بعضهم في بعض فلهم ذلك، و ليس لنا الخوض فيما شجر بينهم، فإنهم أهل علم واجتهاد، وحديثو عهدٍ بنبوة، وهم مأجورون في كل ما صدر منهم عن اجتهاد، سواء أخطأوا أم أصابوا"
وقال أيضًا:
"إياك و الخوض فيما شجر بين الصحابة، و لتجلَّهم كلهم عن آخرهم، و لا سبيل إلى تجريح واحد منهم ، فعنهم نأخذ الدين الذي نعبد الله به، و عامِلهم بالعدالة في الأخذ عنهم، ولا تتهمهم فهم خير القرون"
ومثل هذا مستفيض متواتر مشهور عن خواص خواص الأولياء رضوان الله عليهم أجمعين
فمن الذي يرى نفسه أغير على سيدنا عليٍّ كرم الله وجهه من الأولياء الذين لم يدخلوا على النبي صلى الله عليه وسلم إلا من باب مدينته كرم الله وجهه؟ وشاهدوا وعاينوا إمداده لهم؟!
ومن الذين يجعل منكبه بمنكب باز الله الأشهب أو الشيخ الأكبر محيي الدين وأضرابهما؟!
ومن الذي يستجيز لنفسه أن يقفز على كلام علماء وأولياء أهل السنة الذين حققوا المسألة في الظاهر والباطن ثم يزعم نفسه سنّيًا غيورًا على آل البيت؟!
أتزعم نفسك أكثر محبة لسيدنا علي من هؤلاء؟! كذبت والله!
أتزعم نفسك أعلم بما كان من هؤلاء؟! كذبت والله!
أتزعم نفسك أحرص على المسلمين من هؤلاء؟! كذبت والله!
فماذا بعد الحق إلا الضلال؟!
وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد، على السيدة فاطمة الزهراء وعلى سيدنا عليّ أسد الله وعلى سيدينا الحسن والحسين سيدي شباب أهل الجنة وريحانتي رسول الله وعلى ستنا زينب أم الهواشم وعلى الذرية الطاهرة الشريفة حتى قيام الساعة.
ورضي الله عن صحابة جدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أجمعين أبتعين أبصعين.
والحمد لله رب العالمين.

Comments

Popular posts from this blog

بين الإمام البخاري والنصاب. ( 1 ) الرد على شريف جابر

إن كنتَ ترى عدم جواز الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم جماعةً بعد صلاة الجمعة، فهذا لا يمنع: