لماذا قاتل سيّدنا معاوية رضي الله عنه سيّدنا عليًا عليه السلام وكرّم الله وجهه؟
[٣]
لماذا قاتل سيّدنا معاوية رضي الله عنه سيّدنا عليًا عليه السلام وكرّم الله وجهه؟
—————-
ونتكلم هنا عن سبب خلافه مع سيدنا عليٍّ رضي الله عنه والذي أدّى به لقتاله..
والذي لا شكّ فيه: أن هذا القتال كان خطأً من معاوية رضي الله عنه، وكان خيرًا للأمة لو بايع أميرَ المؤمنين سيدنا عليا كرم الله وجهه وأطاعه، فهو أعلم منه وأفضل منه، لكن قدر الله وما شاء الله.
غير أننا نبحث في هذا المقال عن ما وراء هذا الخطأ، وعن دافعه وسببه، لنحسن توصيفه ثم نحسن التعامل مع المخطئ..
أما الشيعة فيرون أن سببه: أن معاوية رضي الله عنه يعادي آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم من حيث هم آل بيته، لأنه يضمر عداء النبي صلى الله عليه وسلم والإسلام، فلم يدخل الإسلام قطّ وإنما كان حاله حال أُبَي ابن سلول ونحوه.
ولا يعكّرُ عليهم في ذلك قولك: فكيف زكّاه عمر والصحابة؟! لأنهم يكفرونهم جميعًا عن بكرة أبيهم إلا ما تعده على أصابعك!
وهذا الضلال إن استقام مع بعض أصولهم الفاسدة، فإنه لا يمكن أن يستقيم مع أصولك السنية القطعية، من أنه أسلم وحَسُنَ إسلامه بشهادة الصحابة أجمعين.
فليس في صدره حقدٌ ولا حنقٌ على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، ولا في صدره حقدٌ ولا حنقٌ على سيدنا عليّ كرّم الله وجهه من حيث أنه قريب سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ومن آل بيته.
والدليل على أنه لم يحارب سيدنا عليًا عليه السلام من حيث أن سيدنا علي من آل البيت وإحياءً لنعراتٍ قبلية جاهلية ونحو ذلك:
أن من حارب واحدًا من آل البيت لا لشيء إلا لأنه قريب النبي صلى الله عليه وسلم = فهو كافرٌ بغير ريب، لا يتردد في ذلك سنيٌّ ولا شيعي.
فإن كانت هذه علة حرب معاوية رضي الله عنه كان -وحاشاه- كافرًا.
بينما نجد النبي صلى الله عليه وسلم قد شهد له ومن معه بالإسلام بعد هذه الحروب، لما قال عن سيدنا الحسن عليه السلام: "إن ابني هذا سيد وسيصلح الله به بين طائفتين من المسلمين"
ففيه دليل على أن معاوية رضي الله عنه لم يحارب سيدنا عليًا عليه السلام لأنه من آل البيت، وإلا لما أثبت له النبي صلى الله عليه وسلم الإسلام.
زد على ذلك أنه لو كان كافرًا لأنه حارب سيدنا عليا من حيث كونه من آل البيت؛ لكان الذي سلّمه رقبة المسلمين فاصطلح معه وتنازل له عن الخلافة؛ مرتكبًا لكبيرة من أكبر الكبائر!
فكيف تعطي رقاب المسلمين لكافر مرتدّ؟! وأنت معك الجيش والعدة والعتاد!
بل الواجب مقاتلته ومقارعته ولو أزهقت في ذلك أرواح كثير من المسلمين!
وحاشا سيدنا الحسن عليه السلام أن يكون قد فعل ذلك، بل تنازل عن الخلافة لمسلم، وإلا لما مدح فعلَه سيد الخلق صلى الله عليه وسلم!
فتنازله له دليلٌ على أنه لم يكن يحارب سيدنا عليًا عليه السلام لأنه من آل البيت، وإلا لما جاز التنازل له!
———
فلماذا حاربه إذًا؟!
يلخصه لك ما حكاه الذهبي رحمه الله بإسناده قال:
"جاء أبو مسلم الخولاني وأناس إلى معاوية، وقالوا: أنت تنازع عليا أم أنت مثله؟ فقال: لا والله، إني لأعلم أنه أفضل مني وأحق بالأمر مني، ولكن ألستم تعلمون أن عثمان قتل مظلوما، وأنا ابن عمه والطالب بدمه، فائتوه فقولوا له، فليدفع إلي قتلة عثمان، وأسلم له.
فأتوا عليا، فكلموه، فلم يدفعهم إليه."
وقصة ذلك: أن سيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه، ثار عليه همجٌ رعاعٌ حاصروا داره، فلما أراد الصحابة رضوان الله عليهم قتالهم نهاهم سيدنا عثمان رضي الله عنه، وقال: "أعْزِمُ على من كانت لي عليه طاعةٌ أنْ لَا يقاتل."
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قال له:
"يا عثمان إنَّ اللَّه عز وجل عسى أن يُلبِسَك قميصاً، فإن أرادَك المنافقون على خلعِه فلا تخلعْه حتَّى تلقاني، يا عثمان إنَّ اللَّه عسى أن يُلبسَكَ قميصاً فإن أرادَك المنافقون على خلعِهِ فلا تخلعْه حتَّى تلقاني، ثلاثًا"
ثم إن سيدنا عليًا عليه السلام ألبس ولديه الحسنين عليهما السلام ملابس الحرب وأمرهما بالوقوف على باب عثمان رضي الله عنه لحراسته، فتسلل بعض الأوباش عليهم لعنة الله وتسوروا الدار من الخلف فقتلوا صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وزوج ابنتيه الذي كانت تستحيي منه الملائكة، قتلوه والمصحف في يده!
وكان موقف سيدنا علي عليه السلام لما بلغه قتل سيدنا عثمان رضي الله عنه أنه قال:
"تبا لهم آخر الدهر."
وعن ابن أبي ليلى قال: سمعت عليا وهو بباب المسجد أو عند أحجار الزيت رافعا صوته يقول: "اللهم إني أبرأ إليك من دم عثمان."
وعن قتادة، عن الحسن قال: قتل عثمان وعلي غائب في أرض له، فلما بلغه قال: "اللهم إني لم أرض ولم أمالئ."
وعن ابن عباس قال: قال علي يوم قتل عثمان: "والله ما قتلت ولا أمرت ولكني غلبت."
وعن أبي العالية: أن عليا دخل على عثمان فوقع عليه وجعل يبكي حتى ظنوا أنه سيلحق به.
فهذا موقف سيدنا عليّ كرم الله وجهه من قتل عثمان!
ثمّ بايعه الناس بالخلافة، فرأى أن قتلة عثمان رضي الله عنه من قبائل عديدة بعضهم ذو منعة، ورأى الأمة في شتات، والناس في تخبط وتيه، فكان رأيه أن ينتظر حتى يستتب الأمرُ له ثم يعاقب قتلة عثمان رضي الله عنه.
أما معاوية رضي الله عنه فكان في الشام، وصله قميص عثمان رضي الله عنه وعليه دمه، فصعد به المنبر وأراه أهل الشام حتى استثار عواطفهم، وهيّج مشاعرهم. فأرسل يطالب سيدنا عليًا عليه السلام بتسليمه قتلة عثمان لأنه ولي دمه فهو ابن عمه!
فطلب منه سيدنا علي عليه السلام أن يبايعه، وينتظر إلى أن يستتب له الأمر، فيعاقبهم.
فأبى معاوية رضي الله عنه وأراد أن يسلمه إياهم على الفور، ورفض هو وأهل الشام مبايعته بالخلافة حتى يسلمهم إياهم.
وهنا كان النزاع:
هل نعاقب قتلة عثمان رضي الله عنه على الفور ولو زاد ذلك التفرق والفتن والشتات؟
أو ننتظر حتى يستتب الأمر فنعاقبهم ليكون ذلك أدرأ للفتن؟!
فهذا سبب الخلاف الذي أدى بعد ذلك للاقتتال والاحتراب، لأن سيدنا عليا عليه السلام اجتهد فرأى قتال جيش سيدنا معاوية، وسيدنا معاوية اجتهد فرأى قتال جيش سيدنا علي.
والذي لا أشك فيه طرفة عينٍ أن الحق هو سيدنا علي كرّم الله وجهه، والصواب ما رآه.
وأن سيدنا معاوية رضي الله عنه كان مخطئًا في اجتهاده، وليته أطاع أمير المؤمنين عليه السلام ليقي الأمة فتنًا كقطع الليل المظلم، ولكن أمر الله كان قدرًا مقدورًا.
فلم يقاتل سيدنا معاوية سيدنا عليًا لأنه من آل البيت، ولا لأن معاوية كان يبطن الكفر وينتظر لحظة هدم الإسلام وغير ذلك من الترهات.
بل معاوية هو الصحابي الجليل الذي زكّاه عمر فولّاه رقاب المسلمين سنين عددًا، والصحابة شاهدون حاضرون مقرون، ثم استمر عثمان على توليته تلك الولاية، وهو الفقيه المجتهد الذي شهد له ترجمان القرآن ابن عباس بذلك، اجتهد في ما ينبغي فعله مع قتلة عثمان، فأخطأ وجانبه الصواب، واجتهد في قتال سيدنا علي عليه السلام كما اجتهد سيدنا علي في قتاله، فأصاب سيدنا علي وأخطأ سيدنا معاوية.
وليس في الوحي نصٌّ على طريقة التعامل مع قتلة عثمان، فاجتهد كلٌّ فيها وأصاب بعضهم وأخطأ بعضهم.
فإذا عرفنا أن سبب القتال لم يكن لكون سيدنا علي عليه السلام من آل البيت، ولا أنها كانت حربًا شعواء شنّها سيدنا معاوية على آل البيت يريد وأد الإسلام وإحياء الجاهلية والكفر، بل كان السبب خلافًا سياسيًا في الطريقة الأنسب للتعامل مع قتلة الخليفة الثالث رضوان الله عليه، وصل الخلاف بالطرفين أن أداهما اجتهادهما لقتال بعضهما.
فما حكم مَن اجتهد في هذه المسألة، ووصل به اجتهاده إلى قتال سيدنا علي كرم الله وجهه؟!
هل يكون كافرًا؟ أو منافقًا؟ فاسقًا؟
أم يحتمل أنه مجتهد مخطئ؟
هذا ما سنجيب عنه في المقال القادم إن شاء الله.
يُتبَع ..
Comments
Post a Comment