الصلاة المطلسمة! الحسن البخاري
بسم الله الرحمن الرحيم.
الحمد لله رافع المنتصبين لنفع العبيد، الخافضين جناحهم للمستفيد، وصلى الله وسلم على سيّدنا محمدٍ وسيلة كلّ سعيد، وبعد:
فإننا قد بُلينا في زماننا هذا -الذي أتاح لكلّ متردية ونطيحة وما أكل السّبُعُ أن يدلي برأيه متى شاء أينما شاء كيفما شاء في من شاء- بغلمان أشأم، صبية السوء، حدثاء الأسنان سفهاء الأحلام، الذين حدّثنا عنهم سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فصار أيسر شيء عليهم أن يسحّ الواحد منهم بقبيح رأيه في عَرَصات العلم وأحكام الشريعة، بعدما اتّخذ الناسُ رؤوسًا جهّالًا لا شيوخ لهم، فزاغوا وأزاغوا، وضلّوا وأضلوا كثيرًا عن سواء الصراط!
وكان من آثار منصات التواصل الاجتماعي الفاتحة أبوابها ليكتبَ كلٌّ خواطره وأفكاره؛ أن تساوت الرؤوس، واختلط الآدميّون بالتّيوس!
فإن طفلًا حديث عهد بلبن لو كتب منشورًا في موضوعٍ من الموضوعات؛ سيأخذ نفس المساحة وحجم خطّ الكتابة اللذين سيأخذهما أستاذٌ دكتورٌ متخصّص في هذا الموضوع وهو يكتب فيه على هذه المواقع!
وإن مراهقًا يقضي ليله في كلام النسوان، ونهاره في لعب الكرة مع الصبيان، لو كتب منشورًا في مسألة شرعية؛ سيأخذ نفس المساحة التي يأخذها منشور عالمٍ علامة وليٍّ عابدٍ يقضي ليله في الصلاة ومذاكرة العلم، ونهاره في الصيام وطلب العلم!
فلعمري أي عصرٍ أقبح من هذا العصر؟! وأي زمن أنحس من هذا الزمن؟!
فلله درّ القائل:
مَتَى تَصِلُ العِطَاشُ إِلى ارْتِوَاءٍ
إِذَا اسْتَقَتِ البِحَارُ مِن الرَّكَايَا
وَمَنْ يُثْنِي الأَصَاغِرَ عَنْ مُرَادٍ
وَقَدْ جَلَسَ الأَكَابِرُ فِي الزَّوَايَا
وإِنَّ تَرَفُّعَ الوُضُعَاءِ يَوْمًا
عَلَى الرُّفَعَاءِ مِنْ إِحْدَى البَلَايَا
إِذَا اسْتَوَتْ الأَسَافِلُ والأَعَالِي
فَقَدْ طَابَتْ مُنَادَمَةُ المَنَايَا
وقد كان من فجائع الدهر، ونوائب الزمان، التي تفتّ كبد كل مسلم، وتعصر قلب كلِّ معظّمٍ للعلم وأهله؛ تطاول غلمان أشأم على الشيخ العلَم العلّامة العابد التقي: عبد العزيز الشهاوي، شيخ مشايخ السادة الشافعية بالأزهر الشريف.
ذلك الرّجل الذي لا يُرى إلا في مجلس علم، أو في محراب صلاة، لا يشغله القيل والقال، ولا سمعنا له قطّ سبًا لأحدٍ ولا ردًّا على أحد، ولو شئت أن ترى آية تمشي على الأرض فإن الشيخ الشهاوي رضي الله عنه هو قول الله تعالى:
"وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونًا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلامًا"
ومقدار الشيخ في العلم والعبادة معلومٌ للقاصي والداني، فهو الذي أنفق ثمانين سنة من عمره في ميراث جدّه رسول الله صلى الله عليه وسلم!
بل إن المقدّمين بين السلفيين في الفقه الشافعي يسعون في الأخذ عنه والانتساب إليه، من ذلك -على سبيل المثال لا الحصر- أن الشيخ محمد سالم بحيري أطال الله عمره في طاعته -وهو من مقدّمي السلفيين في الفقه الشافعي- حدّثني من سنوات أنه يحمد الله تعالى أن يسّر له فرصة الأخذ عن العلّامة الشهاوي والتتلمذ له، وحكى لي عن إسناد الشيخ وفقهه وعلمه وأثنى عليه ثناءً بليغًا!
فهذا قدره عند عقلاء السلفيين، فما أدراك ما قدره عند الأزاهرة؟!
فما كان من أولئك الصبية إلا أن سبّوه وأفحشوا له واستهزأوا به، حتى قرأت لبعضهم قذفًا صريحًا له!
فما أصدق قول القائل:
كَمْ عَالمٍ مُتَفَضِّلٍ، قَدْ سَبّهُ .!
مَنْ لا يُسَاوِي غِرْزَةً فِي نَعْلِهِ !
البَحْرُ تَعْلُو فَوْقَهُ جِيَفُ الفَلا
وَالدُّرّ مَطْمُوْرٌ بِأَسْفَلِ رَمْلِهِ،
وَاعْجَبْ لِعُصْفُوْرٍ يُزَاحِمُ بَاشِقًا
إلاّ لِطَيْشَتِهِ .. وَخِفّةِ، عَقْلِهِ!
وما نقموا من الشيخ إلا أنهم رأوا له فيديو في ختام بعض مجالسه العلمية -التي لا ينقطع عنها رغم بلوغه الثمانين من عمره- يصلي فيه على النبي صلى الله عليه وسلم بصيغة صلاة لم يسمعوا بها من قبل، وفيها بعضُ الكلمات التي يستغربونها!
فكانت صلاة الرجل على النبي صلى الله عليه وسلم في ختام مجلس علم؛ سببًا لاجتماع هؤلاء الصبية كالجراد المنتشر على قذفه وسبّه والسخرية منه!
نعوذ بالله من الفسق والفجور!
أما الصيغة التي استغربوها فهي الموسومة بـ"الصلاة المطلسمة"
سميت بذلك لأنه في أولها كلمة "المطلسم"
وإن العاقل إذا سمع شيئًا لا يفهمه سأل أولًا: ما معناه؟ وما المراد به؟
ثم إذا فهم ذلك بدأ بالبحث عن حكمه!
أما الذي كلّما سمع شيئًا لا يفهمه نطحه كالتيس، وسخر منه كالقرد، دون أن يتكلّف عناء فهمه، فمتى يتعلم؟!
فهذا حسبه جهله الذي هو فيه، فإنه أشد عقاب له.
لكن الذي يحبّ التعلم ويعرف قدر العلم فهذا نقول له:
مسألة صيغة الصلاة المطلسمة هذه تحتها ثلاثة أمور:
١- حكم إحداثِ صلاة على النبي صلى الله عليه وسلم لم ترد في الكتاب والسنة.
٢- هذه الصيغة، هل هي من اختراع الشيخ الشهاوي؟
٣- ما معنى الكلمات الغريبة في هذه الصلاة؟
[١]
لا بأس من إحداث صيغة للصلاة على النبي صلى الله لم ترد في الكتاب والسنة.
كقول القائل: "اللهم صلّ على سيدنا محمد طبّ القلوب ودوائها"
فإنه ليس في القرآن الكريم آية ولا في السنة النبوية حديث يمنعان من ذلك، ولا يوجد في كلام الصحابة ولا السلف ما يمنع من ذلك!
بل إن الإمام الشافعي رضي الله عنه وهو من أعظم أئمة السلف، لما جاء مصر سمع تكبيرات المصريين في العيد وفي آخرها صيغة محدثة للصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال:
""وإن كبر على ما يكبر عليه الناس اليوم فحسن"
فاستحسن ذلك ولم يمنعه.
وفوق ذلك أن الأمة بأسرها -خلا الشيعة- يقولون: "اللهم صلّ على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم".
وكلمة "صحبه" لم ترد في الكتاب ولا وردت -حسب علمي- في السنة النبوية المطهرة.
وما زال العلماء جيلًا بعد جيل يُحدِثون بعض صيغ الصلاة والسلام الجميلة التي تتضمن مدحًا للنبي صلى الله عليه وعلى آله سلم، مما لم ترد في الكتاب والسنة، ولم ينكر بعضهم على بعض.
فلا بأس من إحداث صيغة جديدة، أي لو أنني مثلًا ألّفت الآن: "اللهم صلّ على سيدنا محمد إمام المحبين وكعبة المشتاقين وضياء المستضيئين وسلم تسليمًا كثيرا"
لكان ذلك حسنًا لا بأس به ولا ينكره عليّ عالم، فإن أخذها محبٌّ لي وكرّرها فلا بأس.
[٢]
هل اخترع الشيخ الشهاوي هذه الصيغة التي سبّوه من أجلها؟
اللهم لا!
بل هي من أوراد سيدي إبراهيم الدسوقي، العالم العلّامة، الولي العابد، المتوفى في القرن السابع الهجري رضي الله عنه وأرضاه.
وهي منسوبة أيضًا إلى بعض الشيوخ قبله.
وقد شرحها غير واحدٍ من علماء المسلمين، وتكلّموا عنها، وصلّوا بها على النبي صلى الله عليه وسلم يتوارثونها جيلًا بعد جيل!
فهي موجودة في كتب التراث، لا يستغربها ولا يتفاجأ منها إلا ضعيف الصلة بتراث المسلمين، ممن لم يأخذ العلم عن الشيوخ، وإنما قفز فيه وحده فخفي عنه معظمه، غير أنه يظن نفسه معيارًا للدين، فما يعرفه هو الدين وما لا يعرفه هو الكفر والزندقة، نعوذ بالله من ضيق العقول وضيق الصدور!
فما ذنب الشيخ الشهاوي أنكم جهلة تسمعون هذه العبارات لأول مرة؟!
وما ذنبه أنكم لا تفهمون معناها، ورغم ذلك تسارعون لإنكارها وسبّ قائلها؟!
وما ذنبه أنه عاش في زمن اختلط فيه الناس بالنسناس، فكلٌّ ينفخ صدره ويكتب يحسب نفسه ابن تيمية زمانه وجهبذ عصره وأوانه؟!
[٣]
أما عن ما غُمّ على البعض من ألفاظ تلك الصيغة كالمطلسم والمضمضم -أو المطمطم- وغير ذلك، فعند شرحها يزول الإشكال إن شاء الله:
أما الطلسم فهو اللغز الغامض المبهم، لذلك يقال لمن كتب رموزًا غامضة: كتب طلاسم.
لأنها غامضة مبهمة لا يفهمها عامة الناس.
ومن استعمال ذلك اللفظ في الشعر العربي قول الشاعر ابن الرومي [متوفى سنة ٢٨٣هـ] :
وفي لطفك طلَسمٌ
بحالي أيُّ طِلسم
وجاء في المعجم الوسيط:
"ومن كلام الصوفيةِ: سِرّ مُطَلْسَمٌ، وحِجابٌ مُطَلْسَمٌ، وذاتٌ مُطَلسَمٌ: غامض."
فقول القائل: "اللّهُمَ صَلِّ عَلَى الذَاتِ المُطَلْسَمِ"
يقول الإمام ابن عجيبة رضي الله عنه: "أي: على الكنز المكنون"
معناه: أن منتهى كمالات ذات النبي صلى الله عليه وسلم لا يعرفها إلا ربّه جلّ وعزّ، فحقيقة مقداره مخفيّة عن الخلق، وإنما يدرك كل واحدٍ منهم جزءًا من منزلة النبي صلى الله عليه وسلم بحسب قدرة المُدرِكِ ومكانته.
ومن ذلك ما روي عن سيدنا أويس القرني رضي الله عنه أنه قال:
"والله ما رأى أصحاب محمد من محمد إلا قشره الظاهر، وأما الباطن فلم يعرفه أحد"
وقول سيدي عبد السلام ابن مشيش رضي الله عنه: "تضاءلت الفهوم فلم يدركه منّا سابقٌ ولا لاحق"
وقول الإمام البوصيري رضي الله عنه:
"وكيف يدرك في الدنيا حقيقتَه
قومٌ نيامٌ تسلّوا عنه بالحُلُمِ"
وقريبٌ من ذلك ما في الصيغة أيضا من قوله: "والغيب المضمضم"
يقول الإمام ابن عجيبة رضي الله عنه: أي: "المحجَّبُ المستور"
وفي المعاجم: "ضَمْضَمَ الشَّيْءَ : جَمَعَ، ضَمَّ مَا تَفَرَّقَ مِنْهُ"
وقريب منهما أيضًا ما في الصيغة من قوله: "والكَمَالِ المُكْتَتَمْ"
أما استعماله في الصيغة كلمة "لاهوت" و"ناسوت"
فقد قال الإمام ابن عجيبة رضي الله عنه وأرضاه في شرح ذلك:
"قلت اللاهوت عبارة عن أسرار المعاني الباطنة القائمة بالأشياء وهى أسرار الذات، والناسوت ما ظهر، ومعنى كلامه أن كل جمال في عالم الملكوت فالمصطفى عليه السلام أصله ومعدنه وسره ولبه فهو معدن الجمال وأصل الكمال فما تبهج رياض الملكوت إلا بزهر جماله، وما ظهرت بهجة الملك إلا بحسن كماله"
وبعضهم شرح: "لاهوت الجمال" أي: روح الجمال.
"وناسوت الوصال" أي: الجسد الذي تصل به وإليه.
صلى الله عليه وسلم.
=============
فإن كان كذلك فليس في الصيغة إلا أنه يقول:
اللهم صلّ على سيدنا محمدٍ الكنز المخفيّ الذي لا يعرف حقيقة علوّ مقامه إلا أنت، روح الجمال وجسد الوصال..الخ
لكنه استعمل ألفاظًا من ألفاظ المعجم التي استعملها العرب واستعملتها الشعراء لا تعرفها أنت، وقد كنت محتاجًا للسؤال لتتعلّمها!
فإن استبدلت السؤال بالسخرية ورمي العلماء بالزندقة والبدعة؛ فهذا لا يؤثر في الوجود شيئًا إلا أنه يضيف دليلًا على أنك جهول! فكان ماذا؟!
وختامًا فإني لا أمنع عالمًا أن يناقش تلك الصيغة، وأن يرفضها، بل أن يحرّم قولها رأسًا، فليس صاحبها رضي الله عنه معصومًا، ولا من ردّدها خلفه معصومين، بل الخطأ وارد عليهم أجمعين، ولا عصمة إلا لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، فمن خاض في المسألة بعلمٍ وأدب فهذا حقّه.
لكنني أمنع الجاهل الذي لا يفهم معناها أصلًا أن ينتصب للسخرية والسباب لمجرّد أنه استغرب شيئًا!
كأنه البحر المحيط الذي ما ترك شاردة ولا واردة إلا أحصاها، فكل ما ليس عنده من العلم ليس بعلم!! والحقّ أنه يضلّ في آداب الوضوء!
ولعلني لم أرد بهذا المكتوب إلا ذبّ الذباب عن السيّد البحر العباب، حشرنا الله في زمرته وزمرة جدّه صلى الله عليه وسلم، والحمد لله رب العالمين.
Comments
Post a Comment