هل نقول: "محمد" أو "سيدنا محمد" ؟! الحسن البخاري
سم الله الرحمن الرحيم
هل نقول: "محمد" أو "سيدنا محمد" ؟!
صلى الله عليه وسلم.
"علمني (محمد) صلى الله عليه وسلم"
"يقدمه (الشيخ) محمد حسين يعقوب"
وعلقت على ذلك قائلًا: اللهم علّمنا الأدب!
لم أزد على ذلك بحرف واحد!
فاحمرت معاطس القوم وحاولوا التستر على ذلك القبح بالسب واللعن والشتم بل والتكفير -وأضع قليلا من ذلك في تعليقات هذا المنشور لترى بعينيك-
وحاول بعضهم أن يواري تلك العورة بالاستشهاد بالأذان والتشهد ونحو ذلك، فرأيت أن في البيان إفادة، فأقول وبالله التوفيق:
———————
[١]
من المعلوم من الدين بالضرورة أن الشريعة بكلّها تحضّ حضًّا وتحثّ حثًا على تعظيم النبي صلى الله عليه وسلم كلّ التعظيم، وتوقيره كلّ التوقير.
قال تعالى:
"لِّتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا"
قال المفسرون: وتعزروه وتوقروه: "تجلوه، وتعظموه."
قال قتادة: "أمر الله بتسويده وتفخيمه."
وسُبلُ التعظيم والتوقير لا تتناهى، بل هي مما تختلف من عصرٍ لعصرٍ ومن مكانٍ لمكان، وينبغي مراعاة العرف في ذلك التعظيم، وإلا لذمّه المتكلّم من حيث أراد تعظيمه، لأن الشيء قد يكون انتقاصًا في عرفٍ ومقبولًا في عرف آخر.
فمثلًا: في مجتمع العرب كان مقبولًا أن يذكر الرجلُ أباه باسمه، فيقول ابن عمر رضي الله عنهما: قال عمر.
لا يستجهن ذلك منه ولا يستقبح.
أما في مجتمعاتنا فهذا قبيح غاية القبح، وسوء أدب، وعقوق. فلا يقبل مني أن أتحدث عن والدي فأقول: جاء البخاري وذهب البخاري.
بل أقول: جاء أبي وذهب أبي، ونحو ذلك.
ومع ذلك ففي هذا المجتمع العربي الذي كان يخاطب الرجل فيه أباه باسمه أو يذكره به ولا يعد ذلك سوء أدب، أنزل الله تعالى: "لَّا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُم بَعْضًا"
قال الضحاك، عن ابن عباس: كانوا يقولون:
يا محمد، يا أبا القاسم، فنهاهم الله عز وجل عن ذلك إعظاما لنبيه صلوات الله وسلامه عليه قال: فقالوا: يا رسول الله، يا نبي الله.
وهكذا قال مجاهد، وسعيد بن جبير.
وقال قتادة: أمر الله أن يهاب نبيه صلى الله عليه وسلم، وأن يبجل وأن يعظم وأن يسود.
فهذا هو الأصل الذي لا يختلف فيه المسلمون، وهو وجوب تعظيمه صلى الله عليه وسلم كلّ التعظيم، وتوقيره كلّ التوقير، بحسب طرائق التوقير والتعظيم في العرف، بل وفوق الذي في العرف.
———————
[٢]
ثم إن العلماء قد اختلفوا في الوارد كالأذان والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في التشهد، فمنهم من قال: نذكر اسمه صلى الله عليه وسلم مجرّدًا عن لفظ السيادة، كما علّمنا، تقديمًا للاتباع.
فنقول: أشهد أن محمدا رسول الله.
ونقول في تشهد الصلاة: اللهم صلّ على محمد وعلى آل محمد.
ومنهم -كالسادة الشافعية- من قال: بل نسوّده صلى الله عليه وسلم في الصلاة والأذان، لأن الأدب مقدّمٌ على الاتباع، وأخذوا ذلك من بعض المواقف لبعض الصحابة كسيدنا أبي بكر وسيدنا علي رضوان الله على الجميع.
فمن سوّده في الأذان والصلاة فله إمام من العلماء، ومن التزم بالوارد فله إمام من العلماء، وفي كلٍّ خير.
———————-
[٣]
أما في غير الوارد فالأصل أن لا يدخر المسلم وسعًا في إظهار التعظيم والتوقير له صلى الله عليه وسلم ، مراعيًا العرف والسياق ومقتضى الحال.
فإن من السياقات ما يُذكَرُ فيه الاسم الشريف مباشرةً، استعجالًا بنطق حروفه الشريفة، تلذّذًا بها.
ومن ذلك: القصيدة المحمّدية للإمام البوصيري رضي الله عنه والتي بدأ جميع أبياتها بلفظ: "محمد"
فيقول:
"مُحمَّدٌ أشْرَفُ الأعْرابِ و العَجَم
مُحمدٌ خيرُ مَن يمْشِى على قدمِ
…
مُحمَّد سَيد طابتْ مَناقِبَه
مُحمَّدٌ صَاغه الرَّحْمَن بالنِّعم"
.. الخ ما قاله رضي الله عنه وأرضاه.
فبدلًا من أن يقول: السيد محمد، قال: محمد سيد ..الخ
وبدلًا من أن يقول: الأشرف محمد، قال: محمد أشرف.. الخ
استعجالًا بالتلذذ بنطق اسمه الشريف،
ومما سوّغ له ذلك: سياق كلامه، فهنا مثلًا: يتكلم في قالب الشعر.
يقول ابن رشيق في العمدة:
"ومِن فضلِ الشعرِ أنَّ الشاعرَ يخاطبُ الملكَ باسمِه … فلا يُنكرُ ذلك عليه، بل يراه أوكدَ في المدحِ، وأعظمَ اشتهارًا للممدوح … والكاتبُ لا يفعلُ ذلك إلا أنْ يفعلَه منظومًا غيرَ منثورٍ"
فكما ترى، الأوكد في المدح بالشعر مخاطبة الممدوح باسمه، فهذا سياقٌ يبيح ذلك.
ولا نقول إنه هو السياق الوحيد، بل قد توجد سياقات أخرى يحسن فيها ذكر الاسم مجردًا، كما قال سيدنا أبو بكرٍ الصّديق رضي الله عنه للناس لما زاغوا بوفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات"
فهو سياقٌ
١- يتكلم فيه الصاحب عن صاحبه.
٢- منبهًا الناس على ما يحتاجونه الآن من التذكير ببشريته.
٣- في مجتمع يقبل فيه أن تتحدث عن أبيك باسمه المجرّد.
لذلك قال سيدنا عمر: لإسلام العباس أحبّ إلي من إسلام الخطّاب.
ذكر والده باسمه مجردًا دون نكير.
كل هذه السياقات وغيرها سوّغت ما قاله سيدنا أبو بكر رضي الله عنه.
والعجيب أن نجد بعض المسلمين ينتزعون موقف سيدنا أبي بكر ونحوه من سياقاته، ويحكمون حكمًا عامًا، يحسّنون فيه لبائع الفجل -الذي إن مرّ به أمين شرطة وقف انتباهًا وقال: محمد بيه وأحمد باشا- أن يقول على النبي صلى الله عليه وسلم: محمد! هكذا بدون أي لقب يشعر بالسيادة والتعظيم!
وهذا التبرير ليس -والله- إلا جهلًا، وعمى بصيرة، عافانا الله وإياكم.
————————
[٤]
أما ما نحنُ فيه وهو الموقف المعين لبرنامج الشيخ محمد حسين يعقوب:
فإن من آكد السياقات التي ينبغي أن يُظهرَ فيها المسلم ألقاب تعظيم سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: سياقٌ ستذكر فيه ألقاب تعظيم غيره! ممن لا يبلغ أن يكون حامل نعله الشريف! -فهي مرتبة سيدنا ابن مسعود-
وما كنت أحسب -يعلم الله- أنني أحتاج أن أبيّن لمسلمٍ من المسلمين قبح أن تذكر النبي صلى الله عليه وسلم فتقول:
محمد
ثم في السطر التالي تذكر شيخك فتقول:
الشيخ محمد!
فتذكر اسم النبي صلى الله عليه وسلم مجردًا عن ألقاب التعظيم، في سياق تذكر فيه شيخك بألقاب التعظيم!
أيحتاج مسلمٌ أن نعلّمه قبح هذا؟
يا أخي فكّر بنفسك، صادقًا صدق إنسان يعلم أنه موقوف بين يدي الحقّ جل جلاله فردًا، لو سألتك عن والدك فقلت: كيف حال زيد؟ كيف حال عمرو؟
أما كنت تغضب؟
بل الشيخ محمد حسين يعقوب نفسه، لو تكلمت عنه فقلت: محمد!
أما كنت تقول: احترم شيبته وقل: الشيخ محمد؟!
فيا أخي طالما أن السياق لا يسوغ لك ذكر الاسم الشريف مجردّا؛ فلا أقول لك احترم شيبة فلان، بل أقول لك:
احترم سيد الخلق رسول الله صلى الله عليه وسلم،
احترم الذي ما ناداه الله قطّ في القرآن باسمه ولا قال له يا محمد!
احترم الذي قال له الله: "يس" وذكر بعض المفسرون أن معناها: يا سيّد.
احترم الذي اخترق السبع الطباق وبلغ فيها ما لم يبلغه سيدنا جبريل عليه السلام!
احترم صاحب الشفاعة العظمى والمقام المحمود!
يا أيها المسلم، احترم نبيك صلى الله عليه وسلم!
فإن كنت ستذكر شيخك وتقول: الشيخ محمد.
وفي نفس السياق ستذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا تقل: محمد
وقل: سيدنا محمد.
وجعلُ التقصير في هذا نقصًا في الأدب: هو شيء من أوضح الواضحات لمن رزقه الله قلبًا سليمًا!
————————
[٥]
فما الذي فعلته تنبيهًا على هذا النقص؟
نشرت ذلك التصميم الدعائي للبرنامج وقلت: اللهم علّمنا الأدب!
لم أزد على ذلك بشيء.
فثار القوم وهاجوا وماجوا، وسبوا ولعنوا وكفّروا وفسّقوا، وأريك شيئًا قليلًا من ذلك في التعليقات لئلا تحسبني مبالغًا.
والذي أستغربه أنني حاولت حفظ مقام سيدنا محمد بن عبد الله، بتنبيه خفيف لطيف دعوت الله فيه أن يعلمنا جميعًا الأدب، فسبوني محاولةً لحفظ مقام شيخهم محمد حسين يعقوب!
بل الأعجب أن ذلك قد يكون فعل مصمم فوتوشوب في القناة، يلعنوني لأنني أنبه على خطئه!
وماذا عليهم لو رأوني أنصح لهم فقالوا: جزاكم الله خيرًا، نعم النصيحة نصيحة فيها مزيد من التعظيم لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ثم كلّموا شيخهم أو كلموا القناة، أو المسؤول عن هذا القبح، وقالوا له:
اجعل اسم البرنامج: علمني سيدي محمد صلى الله عليه وسلم.
فإن شقّ عليك تسويد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاكتب في السطر الذي بعدها:
يقدمه محمد حسين يعقوب.
لكن لا تلقّب عبدًا بلقب تعظيم، وتجرد سيده منه، في سياق واحد! فهذا قبيح ونقص أدب!
ماذا عليهم لو قالوا: لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي؟! صلى الله عليه وسلم!
أيبلغ التعصب والشخصنة والمناكفة بالإنسان أن يسارع لحفظ جناب شيخه ولو على حساب تعظيم الجناب النبوي الشريف؟!
إنا لله وإنا إليه راجعون!
وهَب أن هذا الكلام الذي وضحته في المقال قد خفي على أولئك السابين الشاتمين لقلة علم أو لبلادة فهم، فما الذي يلجئهم للسب والشتم في قولي: اللهم علّمنا الأدب؟!
وهل ثمة نصيحة أخف وطئًا وألين وقعًا من أن أدعو لنفسي أولًا ولك ثانيًا بالخير تنبيها خفيفًا على ما أريدك أن تصححه؟!
فلكل من سبّ وشتم ولعن وكفّر أقول ما علمني إياه سيدي رسول الله صلى الله عليه وسلم في مثل هذه الأيام الفاضلة:
إني امرؤ صائم.
والله تعالى يغفر لي ولك، ويعتقني وإياك والمسلمين من نار جهنم في هذا الشهر الكريم.
وصلى الله على سيدنا محمد أمان الخائفين من الشرور، وعين النور، ومنبع السرور، وصاحب الصراط وشفاعة النشور، وعلى آله وصحبه وسلم.
Comments
Post a Comment