حال سيدنا معاوية رضي الله عنه من بعد إسلامه إلى قبل نزاعه مع سيدنا عليّ كرّم الله وجهه
[٢]
حال سيدنا معاوية رضي الله عنه من بعد إسلامه إلى قبل نزاعه مع سيدنا عليّ كرّم الله وجهه:
——————-
وبيانُ ذلك أن الشيعة يعتقدون أن عامة الصحابة وعلى رأسهم سيدنا أبو بكرٍ وعمر وعثمان والمبشرون وأم المؤمنين عائشة وأم المؤمنين حفصة = من المنافقين والكفار عياذًا بالله!
وهذا المذهب لو لم يكن فيه إلا أن لازمه: خضوع أسد الله الغالب عليّ بن أبي طالب كرم الله وجهه للكفار واستكانته لهم وسكوته عن اغتصابهم الإمامة، فرجع حيدرة القهقرى بعدما رفع عليهم مع سيده وابن عمه صلى الله عليه وسلم حدّ المشرفيّ المهنّد فمزّق دعارة الشرك ونكّس رايات الكفر؛ لكفى بذلك اللازم بيانًا عن بطلان هذا المذهب وقطعًا بضلال القائلين به وإظهارًا لقبح معتقدهم!
أما أنت أيها السنّي الطاعن في معاوية -وخطابي في هذه المقالات لك- فتعظّم أبا بكر وعمر وعثمان وأمهات المؤمنين، وتعتقدهم جميعا من سادات أهل الجنة ومن أكابر الخلق، بنصوص الوحي الشريف المتواترة.
ويظهر أثر ذلك الاختلاف بينك وبين الشيعة في المقدمات في أمورٍ كثيرة، منها اعتقادك في حال معاوية رضي الله عنه قبل نزاعه مع سيدنا علي عليه السلام.
فالشيعي يراه: منافقًا كافرًا على طول الخطّ.
فإن سألته: وكيف ولّاه عمر بن الخطاب رضي الله عنه ولاية الشام مع كونه منافقًا كافرًا؟ قال لك: لأنه مثله.
فإن قلت: وكيف أقره عثمان رضي الله عنه على تلك الولاية؟ قال لك: لأنه مثلهما!
عياذًا بالله!
فترى كلامه الفاسد في معاوية مطّردًا مع مقدماته الفاسدة.
أما أنت أيها السنّي فلا يساورك شكٌّ ولا يخالجك ريبٌ في أن سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان من أخوف الناس وأتقاهم لله تعالى، وأحرصهم على استقصاء أحوال ولاته ورعيّته، حتى أنه يخاف لو عثرت ناقةٌ في الفيافي والقفار أن يسأل عنها عمر في المدينة!
وكان من أثر ذلك أنه عزل سيدنا سعد بن أبي وقّاص، مع كونه من المبشرين بالجنة، مراعاة لأدنى شبهة، مع ثقته به ثقة تامة حتى قال: "إني لم أعزله عن عجز ولا خيانة"
وعزله خالد بن الوليد عن إمارة الجيش لنحو ذلك.
وعمر هو الذي نهى واليًا من ولاته عن جعل كاتبه كافرًا!
فهل يولّي سيدنا عمرُ معاوية على الشام سنين عددًا، مع نفاقه وكفره؟
ولم يكن عمر رضي الله عنه بالغرّ الذي يُخدع سنين في مثل هذا المنصب الحساس، فإنهم لما حاربوا المرتدين وأعادوهم إلى الإسلام منعوهم ركوب الخيل وحمل السلاح حتى يطمئنوا لصحة توبتهم ومتانة إسلامهم.
فهل يولي على الشام من لم يقطع بصلاحه؟!
فإن ولاه مع نفاقه وكفره، فهل يترك الصحابة عمرَ رضي الله عنه على ذلك؟
بل هذه شهادة قاطعة من عمر بن الخطاب رضي الله عنه بعدالة معاوية رضي الله عنه، مع إقرار الصحابة هذه الشهادة، والزمان زمان نور النبوة والصدع بالحق، لا يتردد صحابي حينها أن يقف وينكر على سيدنا عمر توليته للمنافقين، وقد صحّ أن المرأة كانت تنكر على سيدنا عمر رضي الله عنه على رؤوس الناس لا يمسّها مكروه.
ثم أقره سيدنا عثمان على تلك الولاية، فكانت شهادة له بعد شهادة، وهذا يقطع للسنيّ أن حال معاوية رضي الله عنه حينها كان حال إيمانٍ وصلاحٍ وصدق، لا كما يصوّره له الشيعة ويخدعونه، وإلا فالطعن في دين معاوية في هذا الوقت طعنٌ في من ولّاه ومن أقره وهم الصحابة أجمعون.
فحال معاوية رضي الله عنه بعد إسلامه بشهادة الصحابة أجمعين، أنه ممن قال الله تعالى فيهم:
"لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا، وكلا وعد اللّه الحسنى واللّه بما تعملون خبير"
فهو من الذين أنفقوا من بعد الفتح وقاتلوا، وهو على درجة عظيمة، لأن "أعظم" تفيد الاشتراك في أصل المعنى، وهو موعود من الله تعالى بالحسنى.
ولا ينبغي أن ينازع سنّيٌ في كونه كذلك إلى قبل خلافه مع سيدنا عليّ رضي الله عنه، وهو محلّ بحثنا في هذا المقال.
هذا في الدين، أما في العلم:
فحسبك ما قيل لابن عباس رضي الله عنهما فيه:
هل لك في أمير المؤمنين معاوية؛ فإنه ما أوتر إلا بواحدةٍ؟! فقال: "إنه فقيهٌ".
والفقيه في عصرهم هو المجتهد المطلق، لا يعرفون له اصطلاحًا غير هذا.
وابن عباس رضي الله عنهما من أنصار سيدنا عليّ كرم الله وجهه، وكان معه في الحرب على معاوية رضي الله عنه، فإن كان كلامه بعد الحرب فذاك، وإن كان قبلها فإن ملكة العلم لا تنتزع بالحرب والخلاف، فهو على ما كان، بشهادة ترجمان القرآن له من كونه فقيهًا مجتهدًا.
وقد روى عنه ابن عبّاس وابن الزبير وجرير بن عبد الله والنعمان بن بشير.
فهذا دينه بشهادة عمر والصحابة، وهذا علمه بشهادة ترجمان القرآن، رضي الله عن الجميع.
فننتقل إلى المقال التالي مستصحبين أننا نتكلم عن صحابيٍّ أسلم وحسُن إسلامه، وكان عالمًا مجتهدًا رضي الله عنه وأرضاه.
يُتبَع..
Comments
Post a Comment