ما حكم من أداه اجتهاده لقتال سيّدنا عليّ كرّم الله وجهه؟!
[٤]
ما حكم من أداه اجتهاده لقتال سيّدنا عليّ كرّم الله وجهه؟!
—————
انتهينا في المقالات السابقة إلى أن معاوية رضي الله عنه أسلم وحَسُنَ إسلامه بشهادة الصحابة، وكان عالمًا فقيهًا مجتهدًا بشهادة ترجمان القرآن ابن عباس.
وإلى أن علّة قتاله مع سيدنا عليّ كرم الله وجهه هو خلافه السياسي معه حول الطريقة المثلى للقصاص من قتلة عثمان رضي الله عنه.
وليس كما يزعم الضالون من أنه كان يعادي آل البيت لأنه يبغض النبي صلى الله عليه وسلم وقرابته! ويريد استئصال شأفتهم، وغير ذلك من الترهات.
ثم وقفنا عند سؤال: ما حكم من اجتهد من علماء الصحابة فأداه اجتهاده لقتال سيدنا عليّ كرّم الله وجهه؟!
أما الشيعة فيرون سيدنا عليًا عليه السلام معصومًا، وعليه يرون مخالفته إلى هذا الحدّ كفرًا بواحًا في ذاته.
فحال من يقاتله كحال من يقاتل رسول الله صلى الله عليه وسلم. لا اجتهاد في هذا ولا تأول.
وأما أنت أيها السنّي فلا تراه معصومًا، وإن كنت تجلّه وتفديه بأهلك ونفسك، ففعله اجتهادٌ منه يحتمل ويحتمل، كما أن فعل غيره من الصحابة اجتهاد.
لكنه يؤرقك قول النبي صلى الله عليه وسلم لسيدنا علي عليه السلام: لا يحبّك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق.
وتقول: كيف يقاتله معاوية ولا يكون مبغضًا له؟
وكيف يكون مبغضًا له ولا يكون منافقًا؟
ولحلّ هذا الإشكال عندك أيها السني: نورد بعضَ نصوص الوحي، ونورد بعض الوقائع التي توافقنا فيها، ثم نورد كلام سيدنا عليّ كرّم الله وجه نفسه، ثم تحكم بما أراك الله.
————
أما نصوص الوحي:
* فقد قال تعالى:
"وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا ۖ فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَىٰ فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيءَ إِلَىٰ أَمْرِ اللَّهِ ۚ فَإِن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا ۖ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ"
يقول ابنُ عباس رضي الله عنهما:
"فإن الله سبحانه أمر النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم والمؤمنين إذا اقتتلت طائفتان من المؤمنين أن يدعوهم إلى حكم الله، وينصف بعضهم من بعض, فإن أجابوا حكم فيهم بكتاب الله، حتى ينصف المظلوم من الظالم, فمن أبى منهم أن يجيب فهو باغ، فحقّ على إمام المؤمنين أن يجاهدهم ويقاتلهم، حتى يفيئوا إلى أمر الله، ويقرّوا بحكم الله"
فالقرآن الكريم يقول "بغت" وابن عباس في تفسيره يقول "فهو باغ"
ومع ذلك يثبت لهم الله تعالى الإيمان في قرآن يتلى إلى قيام الساعة، فيقول جلّ جلاله: "وإن طائفتان من المؤمنين"
فأمكن أن يكونوا بغاةً مؤمنين.
والطائفة الباغية هي طائفة معاوية رضي الله عنه، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمار بن ياسر رضي الله عنه: يا عمار تقتلك الفئة الباغية.
فهي طائفة باغية بنص الوحي في الحديث الشريف، ولا يمنع ذلك أن تكون طائفةً مؤمنة بنصّ الوحي في القرآن الكريم أيضًا.
* وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عن سيدنا الحسن عليه السلام: إن ابني هذا سيّد وسيصطلح الله به بين طائفتين من المسلمين.
فأثبت أن طائفة معاوية رضي الله عنه من المسلمين، بعد قتالهم لسيدنا عليٍّ كرّمَ الله وجهه.
* وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخوارج: تمرق مارقة على حين فرقة من المسلمين فتقتلهم أقرب الطائفتين للحق.
فأثبت لطائفة معاوية رضي الله عنه الإسلام لما قال "على حين فرقة من المسلمين"
وأثبت لهم قربًا من الحقّ، لأن قوله "أقرب" على صيغة أفعل التفضيل، وهي تفيد الاشتراك في أصل المعنى، أي أن لكل منهما قربا إلا أن أحدهما أقرب من الآخر.
ولا يكون ذلك إلا إن كان معاوية رضي الله عنه مجتهدًا مخطئًا، وإلا فلو كان منافقًا لما كان له من الحق أي قرب.
فهذا وصف القرآن لطائفة البغاة بالإيمان، ووصف النبي صلى الله عليه وسلم لطائفة معاوية رضي الله عنه بالإسلام وبقربٍ إلى الحق غير أنه أقل من قرب طائفة سيدنا علي عليه السلام!
فهل يجتمع ذلك مع كونه منافقًا يخفي النفاق أو كافرًا أو فاسقًا.. الخ؟
لا والله، لا يستقيم إلا باعتباره مجتهدًا مخطئًا.
————
هذا من جهة النصوص، ومن جهة أخرى فإنك أيها السني لا تنازعنا في أن عائشة وطلحة والزبير عليهم جميعًا رضوان الله من أهل الجنة لأن الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم بشّرهم بها.
ومع ذلك فقد قاتلوا سيدنا عليا عليه السلام في موقعة الجمل، ولا تتهمهم بأنهم كفار ولا منافقون ولا فساق، معاذ الله!
ولا تقول إنهم في قتالهم هذا ارتدوا أو نافقوا ثم تابوا، معاذ الله!
وقد قتل طلحة في المعركة فلا يقال إنه تاب بعد ردة ونفاق وفسق ونحو ذلك!
لكنك تقول:اجتهدوا في قتال سيدنا علي عليه السلام، واجتهد سيدنا عليٌّ في قتالهم، فأصاب سيدنا عليّ وأخطأوا، رضي الله عن الجميع.
وقال قال سيدنا عليٌّ لسيدنا الزبير رضي الله عنهما: "أنشدك الله أسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إنك تقاتل عليا وأنت ظالم له؟" فقال الزبير : "نعم، ولكن لم أذكر ذلك إلا الآن" وانصرف.
فوصفه رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه حين يقاتل سيدنا عليًا عليه السلام يكون ظالمًا له، لا أنه كافر أو منافق أو فاسق! بل ظالم، فيكون من البغاة الذين هم من المؤمنين.
فإن كان كذلك، فكذلك فليكن الأمر مع معاوية رضي الله عنه، الذي وصفه القرآن وطائفته بالإيمان، ووصفه النبي صلى الله عليه وسلم وطائفته بالإسلام
صحابيٌ جليلٌ زكّاه عمر فولّاه وأقره الصحابة، وشهد له ابن عباس بالاجتهاد، اجتهد اجتهاد أم المؤمنين وطلحة والزبير المبشرين بالجنة، فأخطأ خطأهم، فنعذره مثلهم، ورضي الله عن الجميع.
———————
زد على ذلك أنه لو كان يحارب سيدنا عليًا عليه السلام نفاقًا، وحربًا على الله ورسوله، ورغبة في إذلال آل البيت وعداءً لهم.
فإن هذا كافر مرتد، كيف يتنازل له سيدنا الحسن عليه السلام عن الإمامة العظمى للمسلمين؟
ما الفرق بين هذا وبين أن يتنازل النبي صلى الله عليه وسلم لأبي جهل في بداية الدعوة؟
وهل يسلم آل البيت عليهم السلام رقاب المسلمين للمنافقين والكفار؟!
فإذا فعل سيدنا الحسن هذا -وحاشاه-، فهل يمدح النبي صلى الله عليه وسلم فعله؟ وهل يقول إنه سيد بسبب هذا؟
معاذ الله!
بل لا يستقيم تنازل سيدنا الحسن عليه السلام له إلا بالقول إنه صحابي عالمٌ اجتهد فأخطأ، ليس كافرًا ولا منافقًا ولا فاسقًا.
———————-
ثم ما الذي صح عن سيدنا علي عليه السلام في من قاتله من الصحابة اجتهادًا؟
هل كان يراه كافرًا أو منافقًا أو فاسقًا؟
معاذ الله!
روى ابن أبي شيبة في مصنفه بسند صحيح عن الحسن بن علي عليهما السلام قال: "لقد رأيته - يعني علياً - حين اشتد القتال يلوذ بي ويقول: يا حسن، لوددت أني مت قبل هذا بعشرين حجة أو سنة"
فهل كان سيدنا علي رضي الله عنه إذا قاتل الكفار يقول ليتني مت قبل كذا؟!
لا والله! بل كان يفلق بذي الفقار هاماتهم ويقول: أنا الذي سمتني أمي حيدرة .. كليث غابات كريه المنظرة!
ولمّا جاءه خبر مقتل الزبير رضي الله عنه قال: بشّر قاتل ابن صفية بالنار.
وحمل سيف الزبير وقال: إن هذا السيف طال ما فرج الكرب عن وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ولما قتل طلحة رضي الله عنه وقف عليه سيدنا علي عليه السلام فجعل يمسح التراب من على وجهه ويقول:
"رحمة الله عليك أبا محمد، يعز علي أن أراك مجدولاً تحت نجوم السماء، ثم قال: إلى الله أشكو عجري وبجري، والله لوددت أني كنت مت قبل لهذا اليوم بعشرين سنة"
وقال سيدنا علي عليه السلام:
إني لأرجو أن أكون أنا وطلحة والزبير وعثمان ممن قال الله فيهم: (وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَاناً عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ)
ولما أرادت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها الخروج من البصرة بعد المعركة بعث سيدنا علي عليه السلام إليها بكل ما ينبغي من مركب وزاد ومتاع، واختار لها أربعين امرأة من نساء أهل البصرة المعروفات، وسيرَّ معها أخاها محمد بن أبي بكر، وقد كان في جيش سيدنا علي، وسار سيدنا علي معها مودعا ومشيعا، وسرَّح بنيه معها بقية ذلك اليوم.
وودعت السيدة عائشة رضي الله عنها الناس وقالت: يا بني لا يعتب بعضنا على بعض، إنه والله ما كان بيني وبين علي في القدم إلا ما يكون بين المرأة وأحمائها، وإنه على معتبتي لمن الأخيار، فقال علي: صدقت، والله ما كان بيني وبينها إلا ذاك، وإنها لزوجة نبيكم صلى الله عليه وسلم في الدنيا والآخرة.
ونادى منادٍ لسيدنا عليّ كرم الله وجهه:
"لا يقتل مدبر، ولا يدفف على جريح، ومن أغلق باب داره فهو آمن، ومن طرح السلاح فهو آمن"
فهذا تعامله عليه السلام مع من رفعوا عليه السلاح وحاربوه من الصحابة في موقعة الجمل، جعلهم إخوة وشهد لهم بالجنة، ولا يكون ذلك لو كانت مقاتلتهم لسيدنا عليّ رضي الله عنه كفرًا أو نفاقًا أو فسقًا.
بل لا يكون ذلك إلا لو كانوا قد اجتهدوا فأخطأوا، مع جلالتهم وعلوّ قدرهم ورفعة منزلتهم.
فماذا علينا لو تعاملنا مع صحابة آخرين، كسيدنا معاوية رضي الله عنه الذي شهد له عمر وزكاه وأقره الصحابة نفس التعامل الذي تعامله سيدنا علي عليه السلام مع غيره من الصحابة؟!
أما الشيعي فيكفّر الجميع ويرميهم بالنفاق، وأما أنت أيها السنّي فما جرأك على صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن أخطأوا وإن وإن؟!!
وقد صحّ عن سيدنا علي عليه السلام أنه قال: قتلاي في الجنة وقتلى معاوية في الجنة.
ولا يكون ذلك إلا وهو يرى معاوية صحابيًا أخطأ في اجتهاده، فمن تبعه فقد اتبع مجتهدًا مخطئًا
أما لو كان يراه كافرًا أو منافقًا النفاق الأكبر ويرى هؤلاء الناس قد اتبعوه على استئصال شأفة آل البيت عداءً لقرابة النبي صلى الله عليه وسلم؛ لعدّه هو ومن معه من حصب جهنّم!
فإثباته الجنة لقتلاه، مع إثبات النبي صلى الله عليه وسلم الإسلام لطائفته، والقرآنِ الإيمانَ للبغاة، ومع تعامل سيدنا عليّ كرّم الله وجهه مع من قاتلوه من الصحابة بنفس الاجتهاد لنفس العلة؛
جميع ذلك يسلّ سخيمة صدرك، ويجعله سالمًا لصحابي من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويجعلك تقول: أخطأ قطعًا.
ثم تقول: رضي الله عنه وأرضاه.
كما كان سيدنا عليّ عليه السلام يقاتل أهل الجمل، ويشهد لهم بالجنة.
ويقاتل أهل صفين ويقول: قتلاهم في الجنة.
فإذا مرّ بك قول النبي صلى الله عليه وسلم: لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق؛
علمت أن قتاله عن تأول واجتهاد لا يدخل في ذلك، لأن سيدنا عليا عليه السلام بنفسه لم يعتبر من قاتلوه من الصحابة كفارًا ولا منافقين النفاق الأكبر.
وقد بقي لنا الكلام عن بعض شبهات تثار عن سيدنا معاوية رضي الله عنه، كالزعم بأنه أمر بلعن سيدنا علي عليه السلام على المنابر ونحو ذلك، فنتناولها في المقال القادم إن شاء الله.
يُتبَع..
Comments
Post a Comment