عدد من الشبهات حول سيدنا معاوية رضي الله عنه.

 [٥]

عدد من الشبهات حول سيدنا معاوية رضي الله عنه.
———————
انتهينا في المقالات السابقة إلى أن معاوية رضي الله عنه كان صحابيًا جليلًا، زكاه الصحابة في دينه وعلمه، وإنما قاتل سيدنا عليًا عليه السلام باجتهاد أخطأ فيه، وكان سيدنا عليّ كرم الله وجهه يتعامل مع من قاتله اجتهادا بمبدأ: إخواننا بغوا علينا.
فلا جرم أن نترضى عن إخوان سيدنا عليّ كرم الله وجهه من الصحابة، وإن بغوا عليه، لأن البغي لا ينافي الإيمان.
"وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت احداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله"
فأثبت الإيمان للبغاة.
ونتناول في هذا المقال بعض الشبهات التي تثار عن سيدنا معاوية، فنبيّن ما فيها من كلام.
————
أما الشبهة الأولى فهي أنه سَنّ وأمَرَ بلعن سيّدنا عليّ كرم الله وجهه على المنابر، واستمر ذلك خمسين سنة أو يزيد حتى أبطل عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه تلك السنة.
والجواب: أن هذا لم يصحّ عن معاوية رضي الله عنه، وما ينقله بعض المؤرخين في بعض الكتب من ذلك ليس إلا كذبًا لا إسناد له، والعلماء إن تهاونوا وتساهلوا في قبول المرويات التاريخية ولم يعاملوها معاملة الأحاديث فإنما كان ذلك لأنه لا يؤخذ منها أحكام الحلال والحرام، فتهاونوا، فكيف إن كان سيحكم منها على صحابي من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم بالنفاق والفسق بل والكفر كما يفعله بعض الضالين؟! فلا يقال هنا نتساهل ونقبل، بل نفتش عن الأسانيد ونعمل فيها مبضع النقد لخطورة المقام.
يقول الألوسي رحمه الله:
"وما يذكره المؤرخون من أن معاوية رضي الله تعالى عنه كان يقع في الأمير علي كرم الله تعالى وجهه بعد وفاته ويظهر ما يظهر في حقه، ويتكلم بما يتكلم في شأنه؛ مما لا ينبغي أن يعول عليه أو يلتفت إليه، لأن المؤرخين ينقلون ما خبث وطاب، ولا يميزون بين الصحيح والموضوع والضعيف، وأكثرهم حاطب ليل، لا يدري ما يجمع، فالاعتماد على مثل ذلك في مثل هذا المقام الخطر والطريق الوعر مما لا يليق بشأن عاقل، فضلا عن فاضل"
ويقول القرطبي رحمه الله:
"يبعد على معاوية أن يصرح بلعنه وسبّه، لما كان معاوية موصوفا به من العقل والدين، والحلم وكرم الأخلاق، وما يروى عنه من ذلك فأكثره كذب لا يصح، وأصح ما فيها قوله لسعد بن أبي وقاص: ما يمنعك أن تسب أبا تراب ؟
وهذا ليس بتصريح بالسب، وإنما هو سؤال عن سبب امتناعه ليستخرج ما عنده من ذلك، أو من نقيضه، كما قد ظهر من جوابه، ولما سمع ذلك معاوية سكت وأذعن، وعرف الحق لمستحقه"
ثم يقول:
"وأما التصريح باللّعن، وركيك القول، كما قد اقتحمه جهّال بني أمية وسفلتهم، فحاش معاوية منه، ومن كان على مثل حاله من الصحبة والدّين والفضل والحلم والعلم والله تعالى أعلم"
وما ذكره القرطبي من حديث سعد بن أبي وقاص، المراد به:
ما في صحيح مسلم:
"عن عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: أَمَرَ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ سَعْدًا فَقَالَ: مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسُبَّ أَبَا التُّرَابِ؟ فَقَالَ: أَمَّا مَا ذَكَرْتُ ثَلَاثًا قَالَهُنَّ لَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَنْ أَسُبَّهُ، لَأَنْ تَكُونَ لِي وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ لَهُ…"
ثم ذكر من فضائل سيدنا علي عليه السلام.
وقد فهم بعض الناس من ذلك أن معاوية رضي الله عنه كان يأمر بسب سيدنا عليّ كرم الله وجهه، وليس كذلك.
فليس في الحديث أمرٌ بالسبّ، بل فيه سؤال عن سبب عدم سبه إياه مع كثرة من يسبه من الناس.
يقول القاضي عياض في شرح هذا الحديث: "ليس فيه تصريح بأنه أمره بسبه، وإنما سأله عن السبب المانع له من السب، وقد سئل عن مثل هذا السؤال من يستجيز سب المسؤول عنه، وسئل عنه من لا يستجيزه.
فقد يكون معاوية رأى سعدا بين قوم يسبونه، ولا يمكن الإنكار عليهم، فقال: ما منعك أن تسب أبا تراب؛ ليستخرج منه مثل ما استخرج مما حكاه عن النبى صلى الله عليه وآله وسلم، فيكون له حجة على من سبه ممن ينضاف إليه من غوغاء جنده، فيحصل على المراد على لسان غيره من الصحابة.
ويمكن أن يريد السب الذى هو بمعنى التغيير للمذهب والرأى، وقد سمى ذلك فى العرف سبا، ويقال فى فرقة: إنها تسب أخرى إذا سمع منهم أنهم اخطؤوا فى مذاهبهم، وحادوا عن الصواب، وأكثروا من التشنيع عليهم، فمن الممكن أن يريد معاوية من سعد بقوله: «ما منعك أن تسب أبا التراب؟» أى يظهر للناس خطأه فى رأيه، وإن رأينا وما نحن عليه أشد وأصوب"
وبمثله قال النووي وغيره.
والعقل لا يقبل أن يذهب معاوية رضي الله عنه لسعد بن أبي وقاص رضي الله عنه السابق في الإسلام المبشر بالجنة الذي سمع أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في مدح سيدنا علي، والذي اعتزل حربه مع سيدنا عليّ كرم الله وجهه ولم يدخل فيها، ثم يطلب من أن يسبّ عليًا!
بل لو كان يسبّ فهو أحوج إلى مداهنة كبار الصحابة من أمثال سعد منه إلى هذا، لئلا ينكر عليه أمام الناس فيضعفه.
فلو قدر أنه كان كما يزعمون يأمر بالسب وكذا، لكان يمكن هذا مع بعض الجهلة الأغمار، لا مع سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، فدل ذلك على ما فسر العلماء به الحديث.
ثم إن الذي وردنا من الأخبار عن معاوية رضي الله عنه أنه كان يصرح بتفضيل عليٍّ كرم الله وجهه عليه، ويمدحه أمام الناس، فكيف يلعنه على المنابر مع ذلك؟
* روى الذهبي أن أبا مسلم الخولاني قال لمعاوية:
"أنت تنازع علياً أم أنت مثله ؟ فقال: لا والله، إني لأعلم أنَّه أفضل منِّي وأحقُّ بالأمر منِّي، ولكن ألستم تعلمون أنَّ عثمان قُتِل مظلوماً، وأنا ابن عمِّه، والطالب بدمه، فأتوه، فقولوا له، فليدفع إليَّ قتلة عثمان، وأسلم له، فأتوا علياً، فكلموه، فلم يدفعهم إليه"
* وفي عمدة عيون صحيح الأخبار:
عن أبي حازم قال: "جاء رجل إلى معاوية فسأله عن مسألة فقال: سل عنها علي بن أبي طالب، فهو أعلم بها
فقال: يا أمير المؤمنين جوابك فيها أحبُّ إليَّ من جواب علي، فقال: بئسما قلت ولؤم ما جئت به، ولقد كرهت رجلاً كان رسول الله (صلى الله عليه وآله يغره العلم غرَّا، ولقد قال له رسول الله صلى الله عليه وآله: أنت منَّي بمنزلة هارون من موسى غير أنَّه لا نبيَّ بعدى، وكان عمر إذا أشكل عليه شيء يأخذ منه ولقد شهدتُ عمر وقد أشكل عليه شيء فقال: عمر: هاهنا علي؟
قم، لا أقام الله رجليك"
* وفي الاستيعاب لابن عبد البر:
قال معاوية لضرار الصّدائي: "يا ضرار، صف لي علياً، قال: أعفني يا أمير المؤمنين، قال: لتصفنَّه، قال: أَّما إذ لا بدَّ من وصفه فكان والله بعيد المدى، شديد القوى، يقول فصلاً، ويحكم عدلاً، يتفجَّر العلم من جوانبه، وتنطق الحكمة من نواحيه، ويستوحش من الدنيا وزهرتها، ويستأنس بالليل ووحشته، وكان غزير العبرة، طويل الفكرة، يعجبه من اللباس ما قصر، ومن الطعام ما خشن، وكان فينا كأحدنا، يجيبنا إذا سألناه، وينبئنا إذا استنبأناه، ونحن والله، مع تقريبه إيَّانا وقربه منَّا، لا نكاد نكلمه هيباً له، يعظَّم أهل الدّين، ويقرّب المساكين، لا يطمع القويّ في باطله، ولا ييئس الضعيف من عدله، وأشهد [ أنَّه ] لقد رأيته في بعض مواقفه، وقد أرخى الليل سدوله، وغارت نجومه، قابضاً على لحيته ، يتململ تململ السليم، ويبكى بكاء الحزين ، ويقول: يا دنيا غرِّي غيري، إليَّ تعرّضت أم إليَّ تشوّفت ! هيهات هيهات ! قد باينتك ثلاثاً لا رجعة فيها، فعمرك قصير، وخطرك قليل، آه من قلَّة الزاد، وبعد السفر، ووحشة الطريق، فبكى، معاوية وقال: رحم الله أبا الحسن، كان والله كذلك، فكيف حزنك عليه يا ضرار؟ قال: حزن من ذبح ولدها وهو في حجرها، وكان معاوية يكتب فيما ينزل به ليسأل له عليّ بن أبي طالب (رضي الله عنه) عن ذلك، فلمَّا بلغه قتله قال: ذهب الفقه والعلم بموت ابن أبي طالب، فقال له أخوه عتبة: لا يسمع هذا منك أهل الشام، فقال له: دعني عنك"
وغير ذلك من عشرات الأخبار التي لا يمكن الجمع بينها وبين أنه كان يأمر بسبه ولعنه عياذًا بالله!
ثم إن العقل يأبى تصديق ما يزعمه الكذابون من أنه سنّ لعنه على المنابر، فبعد حربٍ ضروسٍ شديدة كاد يُهزم فيها معاوية عدة مرات لولا المقادير، ثم مقتل سيدنا علي عليه السلام صدفة باغتيال بعض الخوارج له، ثم اجتماع الناس حول سيدنا الحسن عليه السلام بعدد وعدة وعتاد، لكن يصطلح معه سيدنا الحسن عليه السلام فيستتب لمعاوية الأمر -دون أن يحلم هو بذلك- وتهدأ النفوس شيئًا ما، وتخمد الصراعات، وتضع الحرب أوزارها، ويصير معاوية الخليفة بلا منازع.
أيشعلها هو مرة أخرى بلعن سيدنا عليّ كرم الله وجهه على المنابر؟
فأين بنو هاشم؟ أين الحسن والحسين عليهما السلام وهما حيان يرزقان؟!
سيدنا الحسين الذي رفض الأسر حتى قتل، أكان يرضى بهذا؟!
مع ما ورد من أخبار تفيد الصلة بينهما وبين معاوية رضي الله عنه طوال فترة خلافته.
وأين الصحابة؟
نقل ابن كثير عن الأوزاعي رحمه الله قوله: "أَدْرَكَتْ خِلَافَةَ مُعَاوِيَةَ عِدَّةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ ; مِنْهُمْ أُسَامَةُ، وَسَعْدٌ، وَجَابِرٌ، وَابْنُ عُمَرَ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَمَسْلَمَةُ بْنُ مُخَلَّدٍ، وَأَبُو سَعِيدٍ، وَرَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ، وَأَبُو أُمَامَةَ، وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، وَرِجَالٌ أَكْثَرُ مِمَّنْ سَمَّيْنَا بِأَضْعَافٍ مُضَاعَفَةٍ، كَانُوا مَصَابِيحَ الْهُدَى، وَأَوْعِيَةَ الْعِلْمِ، حَضَرُوا مِنَ الْكِتَابِ تَنْزِيلَهُ، وَأَخَذُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَأْوِيلَهُ ; وَمِنَ التَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، مِنْهُمُ الْمِسْوَرُ بْنُ مَخْرَمَةَ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْأَسْوَدِ بْنِ عَبْدِ يَغُوثَ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَيْرِيزٍ، وَفِي أَشْبَاهٍ لَهُمْ لَمْ يَنْزِعُوا يَدًا عَنْ مُجَامَعَةٍ فِي أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ." انتهى.
فهل يسمع جميع هؤلاء لعن سيدنا علي كرم الله وجهه على المنابر ويسكتون عليه؟!
معاذ الله! كيف وهم الذين أنكروا عليه تولية ابنه يزيد!
فمتى داهنوه ومتى نافقوه ليتهموا بالسكوت على مثل هذا؟!
وما الذي يستفيده معاوية رضي الله عنه بعدما هدأت الأمور من إشعالها مرة أخرى، وفعل ما سينكره عليه الصحابة على رؤوس الأشهاد مما يضعف موقفه ويهز صورته أمام الناس؟!
لا أقول كيف يفعل ذلك وهو الصحابي الذي شهد له الصحابة بكذا كذا، بل كيف يفعل ذلك وهو السياسي الداهية المحنك باتفاق السنة والشيعة؟!
فالحاصل أن الأخبار والعقل يستبعدان ثبوت تلك التهمة عن معاوية رضي الله عنه.
والأقرب والله أعلم أنه بعدما هدأت الأمور ووضعت الحرب أوزارها؛ ربما فعل ذلك بعض السفلة والغوغاء والفساق، لكنه لم يكن ظاهرة عامة فضلا عن أن يأمر به معاوية وتكون سنة يسنها!
واستمر الأمر كذلك حتى تورط يزيد لعنه الله في دم سيدنا الحسين عليه السلام، فرجع الاستقطاب مرة أخرى، وعادت الأمور أسوأ مما كانت، ولم يجد بنو أمية بُدًا من تشويه العترة الطاهرة، لأنه إن كان أهل البيت أطهارًا أشرافًا فكيف تقتلونهم؟!
فمن هنا بدأت تغذية النصب واللعن والسب الذي كان خاملًا شيئًا ما في عهد معاوية، فانتشر بين هؤلاء الفساق حتى أبطله عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه.
أما أن يكون سنة معاوية فهذا لا يصحّ، إلا في عقل شيعي يقبل أن يلعن معاوية رضي الله عنه سيدنا عليًا عليه السلام على المنابر لأن معاوية كان كافرا، ومن زكاه من الصحابة قديما كانوا مثله كفارًا، ولا بأس عنده أن يسكت الصحابة على لعنه لسيدنا عليّ كرم الله وجهه على المنابر لأنهم عنده كفار أيضًا.
أما عندنا فلا يستقيم ذلك الهراء بحال من الأحوال.
————————
أما الشبهة الثانية فقولهم: لماذا لم يسلّم لسيدنا علي كرم الله وجهه لما قُتِلَ عمّارٌ، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا عمار تقتلك الفئة الباغية.
فقد تبين له أنه باغٍ ومع ذلك استمر في بغيه!
والجواب أنه لم يتبين له بغيه، لأنه تأول الحديث بأن الذين قتلوا عمارا هم الذين جاؤوا به إلى الحرب، فهم المتسببون في قتله.
وهذا احتمالٌ يحتمله النص مجازًا، لكن لا يصح حمل النصّ على هذا الاحتمال لعدم وجود القرينة، لذلك كان تأوله خاطئًا.
وقد أدنى ذلك التأويل من نفسه نصوصٌ أخرى يحتج به، منها قول الله تعالى: "ومن قُتل مظلومًا فقد جعلنا لوليه سلطانًا"
وسيدنا عثمان رضي الله عنه قتل مظلوما، وهو ولي دمه لأنه رأس قومه، فرأى أنه صاحب حقّ وأن المانعه من حقه هو الباغي عليه، ومن ثم حمل حديث البغاة هذا الحمل الخاطئ.
وغير ذلك كأمر النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن يكون مع والده يطيعه حتى يموت. وعمرو بن العاص مع معاوية في جيشه وصفه.
كل هذا وغيره قرّب إليه هذا التأويل الخاطئ للحديث، فحمله على غير وجهه.
ولذلك سرى هذا التأويل في جيش الشوام وقبلوه، ولو كان محض مكابرة لا وجه لها البتة ولا يمكن تأول ذلك الحديث بحال؛ لقال له الناس: إنك تكابر! ولما قبلوا منه تأوله هذا!
لكن انتشاره بينهم يدل على إمكان الخطأ والزلل فيه.
ونظيره ما حصل للسيدة عائشة رضي الله عنها عند موقعة الجمل، لما نبحتها كلابٌ فسألت أين نحن فقالوا عند ماء الحوأب، فاسترجعت وحزنت وقالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ليت شعري أيُّكن تنبحها كلاب الحوأب؟ فأنا المرادة
فجعل الزبير رضي الله عنه يهدئ من روعها ويقول لها ما خرجتِ إلا للإصلاح بين المسلمين، فتأولا الحديث وتابعا ولم ترجع!
ولم يرمهما أحدٌ بسبب ذلك في دينهما، ولا حتى سيدنا علي كرم الله وجهه، اللهم إلا الشيعة الروافض!
ولا يسلم أحدٌ من تأول خطأ لحديث من الأحاديث ولو كان صحابيًا، لا سيما مع شدة الفتنة وقعقعة السيوف وطقطقة النبل، فإذا شمّرت الحرب لم تكن الأحلام هي الأحلام، والمعصوم من يعصمه الله!
———————————
الشبهة الثالثة:
إن كان معاوية رضي الله عنه لم يقاتل سيدنا عليا كرم الله وجهه إلا لأنه يريد القصاص من قتلة عثمان رضي الله عنه، فلماذا لم يقتص منهم لما تولّى الخلافة؟
ألا يدل ذلك على أن هذا لم يكن هو السبب؟ وإنما كان ستارًا يخفي فيه أطماعه؟
الجواب: مشكلة الذي يطرح هذه الشبهة أنه يتكلم كأن معاوية طالب بدم عثمان في صلاة الظهر ثم تولى الخلافة في صلاة العصر ولم يقتص ممن قتله!
بل قُتل سيدنا عثمان رضي الله عنه عام ٣٥ هجريًا، وتولى سيدنا معاوية رضي الله عنه الخلافة عام ٤٠ هجريًا، فبينهما خمسة أعوام
في هذه الأعوام الخمسة حصلت من الفتن والقلاقل وإراقة دماء المسلمين ما لا يخفى، مما جعل الخرق يتّسع على الراقع، والأمور تخرج عن سيطرة الجميع، فسار الجميع في طريقٍ تستحيل العودة منه.
فلما أصلح الله جميع ذلك بسيد شباب أهل الجنة، سيدنا الحسن بن علي عليهما السلام؛ كانت فرصة لا تتكرر لرأب الصدع وإخماد الفتنة وتهدئة الأمور، وقد قيل إن سيدنا الحسن عليه السلام شارط معاوية رضي الله عنه بأن لا يأخذ أحدًا بما مضى ليتم الصلح والاجتماع.
فلما تم الصلح رأى سيدنا معاوية رضي الله عنه ما كان رآه سيدنا علي كرم الله وجهه قبل سنوات، من أن القصاص سيترتب عليه شر كبير للمسلمين.
وليس الناس سواءً في معرفة الفتن، فمنهم من يعرفها وهي مقبلة، ومنهم من لا يعرفها إلا بعدما يعيشها ويراها بعينيه.
فالذي نقوله: إن سبب عدم تتبع معاوية رضي الله عنه لقتلة عثمان أنه رأى ذلك سيشعل الفتنة مرة أخرى ويعيد الحرب جذعة كما كانت، بعدما جاءت للمسلمين فرصة ذهبية لن تتكرر بإخماد سيدنا الحسن عليه السلام لتلك الفتنة.
فلماذا لم يفعل ذلك بادئ الأمر؟ لأنه لم يكن كسيدنا علي عليه السلام في الرتبة والعلم والبصيرة، فلم ير هذا الرأي بعد مقتل سيدنا عثمان رضي الله عنه مباشرة، فأخطأ في ما ذهب إليه حينها.
——————————-
الشبهة الرابعة:
توليته ليزيد لعنه الله من بعده.
الجواب: هذا من أخطاء سيدنا معاوية رضي الله عنه، اجتهد فيه ورأى أن ابنه أقدر على سياسة الأمور من غيره، وكان خطأً لا شكّ فيه.
وقد يجتهد الصحابي أو التابعي أو الإمام اجتهادًا مقرونًا بالظن ونوعٍ من الهوى الخفيِّ الذي لا يكاد يسلم منه إلا الكبار كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي عليهم جميعا رضوان الله، فيخطئ بسبب ذلك ويزلّ، وإن كان من أولياء الله المتقين.
ولا يكون ذلك الخطأ سببًا في إسقاطه وقدحه وتهمته بالفسق أو النفاق فضلا عن الكفر!
ألا ترى ما فعله حاطب بن أبي بلتعة فإنه قد رُويَ:
"لما أجمع رسول الله ﷺ المسير إلى مكة، كتب حاطب بن أبى بلتعة كتابا إلى قريش يخبرهم بالذى أجمع عليه رسول الله ﷺ من الأمر فى السير إليهم.
ثم أعطاه امرأة زعم محمد بن جعفر أنها من مزينة، وزعم لى غيره أنها سارة مولاة لبعض بنى عبد المطلب، وجعل لها جعلا على أن تبلغه قريشا، فجعلته فى رأسها، ثم فتلت عليه قرونها، ثم خرجت به.
وأتى رسول الله ﷺ الخبر من السماء بما صنع حاطب، فبعث على بن أبى طالب والزبير بن العوام، فقال: "أدركا امرأة قد كتب معها حاطب بن أبى بلتعة بكتاب إلى قريش، يحذرهم ما قد أجمعنا له من أمرهم".
فخرجا حتى أدركاها بالحليفة، حليفة بنى أبى أحمد فاستنزلاها، فالتمساه فى رحلها، فلم يجدا فيه شيئا.
فقال لها علي: إنى أحلف بالله ما كذب رسول الله ﷺ ولا كذبنا، ولتخرجن لنا هذا الكتاب أو لنكشفنك.
فلما رأت الجد منه قالت: أعرض، فأعرض، فحلت قرون رأسها، فاستخرجت الكتاب منها، فدفعته إليه.
فأتى به رسول الله ﷺ، فدعا رسول الله ﷺ حاطبا، فقال: "يا حاطب ما حملك على هذا؟".
فقال: يا رسول الله أما والله إنى لمؤمن بالله وبرسوله ما غيرت ولا بدلت، ولكننى كنت امرءا ليس لى فى القوم من أصل ولا عشيرة، وكان لى بين أظهرهم ولد وأهل، فصانعتهم عليهم.
فقال عمر بن الخطاب: يا رسول الله دعنى فلأضرب عنقه فإن الرجل قد نافق.
فقال رسول الله ﷺ: "وما يدريك يا عمر، لعل الله قد اطلع على أصحاب بدر يوم بدر، فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم".
وأنزل الله فى حاطب: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّى وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ... "
فهذا صحابيٌ أخطأ هذا الخطأ الجسيم خوفًا على ولده وميلًا لهم، فكشف سرًا من أسرار رسول الله صلى الله عليه وسلم الحربية للكفار، واتهمه عمر رضي الله عنه من أجل ذلك بالنفاق وأراد ضرب عنقه، فأرشده رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينظر للحسنات -وهي كونه من أهل بدر- كما ينظر للسيئات والخطايا.
ثم أنزل الله تعالى قرآنا يثبت له فيه الإيمان بقوله: "يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء"
فنحن ننظر لحسنات الصحابي كما ننظر لأخطائه على ما علمنا رسول الله صلى الله عليه، ونقول ما قاله الإمام الذهبي رحمه الله:
"ومعاوية من خيار الملوك الذين غلب عدلهم على ظلمهم، وما هو ببريء من الهنات، والله يعفو عنه"
وهذا الخطأ ما هو إلا مظهرٌ من مظاهر علوّ رتبة من هم كسيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه على من هم في رتبة سيدنا معاوية رضي الله عنه.
فعمر لما حضره الموت أمر المسلمين أن يختاروا من ستة، ثم جعل معهم ابنه وأمر أن لا يكون له من أمر الخلافة شيء.
ولم نزعم ولا زعم عاقل أن معاوية بلغ من الكمال ما بلغه أبو بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عن الجميع، لذلك لم يكن خليفة راشدًا، لكنه كان خير الملوك، أخره عن مرتبته نحو تلك الأخطاء.
——————-
فهذا تناولٌ لبعض أمور متفرقة عن معاوية رضي الله عنه، ضلّ بسببها البعض فكفره، وضلّ البعض فرماه بالنفاق أو بالفسق.
أما الأئمة والأولياء فكانوا على ما بينته لك، من إجلالهم الصحابي والترضي عنه، وحمل أخطائه على الاجتهاد، وغمسها في حسناته وصُحبَته.
وفي المقال القادم أنقل لك موقف الصحابة والتابعين والأئمة والأولياء الكبار من سيدنا معاوية رضي الله عنه وأرضاه، لتقر بلابلك وتطمئن نفسك إن شاء الله.
يُتبَع..

Comments

Popular posts from this blog

بين الإمام البخاري والنصاب. ( 1 ) الرد على شريف جابر

سيدنا معاوية رضي الله عنه وأرضاه. تجميعة مقالات حسن البخاري

إن كنتَ ترى عدم جواز الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم جماعةً بعد صلاة الجمعة، فهذا لا يمنع: